سيرة

جابي برامكي

مربّون

جابي برامكي

3 تشرين الثاني 1929, القدس, فلسطين
30 آب 2012, فلسطين

ولد  في القدس في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1929. والده: أنضوني برامكي، كان مهندساً معمارياً ذائع الصيت تخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة بأثينا، وأشرف على تشييد مبان ومساكن وكنائس عدة في القدس ورام الله. والدته: إفلين. زوجته: هيفاء الطرزي. أولاده: هانية؛ هاني؛ سامي.

ألحقه والداه سنة 1934، وكان في الخامسة من عمره، بالقسم الداخلي لـ"مدرسة بيرزيت العليا"، وبقي فيها حتى سنة 1946 حين نال شهادة المترِك (matriculation)، وكان قد تحوّل اسمها إلى "كلية بيرزيت" سنة 1942. وكانت تلك السنوات المؤسِّسة في مطلع عمره بداية لعلاقة بتلك المؤسسة التعليمية الرائدة، لم تنقطع طوال سنوات حياته.

كانت مدرسة بيرزيت أول مدرسة وطنية خاصة مختلطة في فلسطين، وكانت المواد الدراسيّة فيها تُعلّم باللغتين العربية والإنكليزية. أسّستها المربية نبيهة ناصر (1891-1951) سنة 1924 مدرسةً للبنات لتصبح مدرسة مختلطة سنة 1932. وقد تعلّم جابي برامكي في تلك المدرسة أول دروسه عن القومية العربية على حد تعبيره، ففي تلك الفترة اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) على الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية فعزّزت الوعي الوطني الفلسطيني. ويروي برامكي كيف كان معلمو التاريخ يغرسون في نفوس طلابهم الاعتزاز بالتاريخ العربي وبالتراث العربي، ويذكر أن نشيد المدرسة كان يدعو إلى الوحدة العربية ليمنح الطلاب شعوراً بالانتماء وحبّ الوطن.

واصل برامكي تعليمه العالي في الجامعة الأميركية في بيروت متخصصاً في الكيمياء، فنال شهادة البكالوريوس سنة 1950 والماجستير سنة 1953. وكانت الجامعة إذ ذاك حاضنة لحركة قومية عربية ناشطة أتيح فيها لبرامكي التعرّف إلى روّاد الحركة الوطنية الفلسطينية أمثال وديع حداد وشفيق الحوت وجورج حبش وكمال ناصر، في فترة زلزال قومي، في إثر هزيمة الجيوش العربية في فلسطين على أيدي المليشيات الصهيونية، وإعلان دولة إسرائيل، وتهجير آلاف العائلات الفلسطينية من منازلها في مدن البلاد وقراها. وكانت نكبة فلسطين سنة 1948 حدثاً فارقاً في حياة كل فلسطيني، وفي تاريخ الشعب الفلسطيني خاصة والأمة العربية عامة. وقد هُجّرت عائلة برامكي من المنزل الذي بناه والد جابي، والكائن على خط التماس بين شطري القدس الشرقي والغربي، فاحتله الصهاينة وحوّلوه إلى ثكنة عسكرية قبل أن تحوّله إسرائيل لاحقاً إلى متحف. ولجأت العائلة إلى غزة قبل أن تستقرّ بشكل نهائي في رام الله. وتولّت الجامعة مساعدة الطلاب الفلسطينيين الذين انقطعت عنهم موارد ذويهم، فعُيّن جابي برامكي معيداً في دائرة الكيمياء بالجامعة، وكانت تلك التجربة بداية شغفه بالتعليم الذي كرّس له حياته.

عاد برامكي إلى كلية بيرزيت سنة 1954 ليعمل في المؤسسة التربوية التي تشكّل فيها وعيُه الثقافي والعلمي والمعرفي، وكانت قد بدأت في العام السابق التحوّل إلى كلّية جامعية متوسطة حين أضيف إليها الصف الجامعي الأول. منذ ذلك الحين ارتبط برامكي بذلك الصرح التعليمي ارتباطاً عضوياً لما يزيد عن خمسة عقود من الزمن، مؤمناً بالتعليم سبيلاً للنهوض بالشعب الفلسطيني والحفاظ على هوّيته الوطنية والثقافية ومواجهة مأساة نكبته، ولم يغادره إلا في الفترة من 1957 إلى 1959 ليتابع تحصيله العلمي لنيل الدكتوراه في جامعة ماكجيل في كندا بمنحة من مؤسسة فورد.

لم يكن جابي برامكي يمارس وظيفة في تلك المؤسسة التربوية الرائدة بقدر ما كان يؤدي رسالة آمن بها وكرّس لها حياته، ذلك بأن الظروف الموضوعية التي نشأت فيها جامعة بيرزيت ونمت، والتي طبعت تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر، شكّلت تحدّيات وجوديّة للشعب الفلسطيني. ففيما كانت كلّية بيرزيت تتحوّل إلى جامعة متوسطة، شنت إسرائيل في حزيران/ يونيو 1967 حرباً احتلت فيها، فيما احتلت، بقية الأراضي الفلسطينية وضمت القدس الشرقية، لتباشر سياسات طمس الهوّية الوطنية الفلسطينية ومحو تاريخ الشعب الفلسطيني.

كان بناء أول جامعة وطنية تحت نير احتلال استيطاني عازم على اقتلاع جذور أبناء الأرض الأصليين، تحدّياً للسلطة المحتلة وردّاً حضاريّاً راقياً لمجابهة سياساتها التمييزية، وفعل مقاومة للاحتلال لاسترداد حقّ الفلسطيني في وطنه. ذلك ما آمن به جابي برامكي وزملاؤه من الأكاديميين الفلسطينيين الذين أسهموا في بناء تلك الجامعة، فكان ذلك الإيمان الدافع لإسهامات برامكي المميّزة في وضع أسس منظومة التعليم العالي بفلسطين والنهوض به. وكإبن لتلك المؤسسة التعليمية الرائدة، واكب تطوّرها منذ عمل فيها أستاذاً ومديراً لمدرستها الثانوية فعميداً للكلّية الجامعية المتوسطة وعضواً فاعلاً في فريق تطويرها لتحويلها إلى جامعة مكتملة سنة 1972.

في سنة 1974، أبعدت السلطة المحتلة رئيسها حنا ناصر لمدة تسعة عشر عاماً إلى خارج فلسطين. فانتخب مجلس الأمناء جابي برامكي رئيساً للجامعة بالوكالة أثناء الغياب القسري لرئيسها. ثم كسبت الجامعة أول رهانات تحدي الاحتلال حين نجحت في ظل سياسات القمع والترهيب والملاحقة الإسرائيلية، في تخريج أول دفعة من حملة شهادة البكالوريوس سنة 1976.

قاد جابي برامكي جامعة بيرزيت أثناء تولّيه رئاستها بالوكالة (1974–1993) بحكمة وفطنة ورؤيا وبعد نظر في فترة من أشدّ فترات الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين قسوة وأكثرها خطراً، بخاصة زمن الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت في كانون الأول/ ديسمبر 1987 واستمرت حتى توقيع معاهدة أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في أيلول/ سبتمبر 1993. وكانت جامعة بيرزيت هدفاً لسياسات الإغلاق التعسفي المتكرّر والطويل والإبعاد والاقتحام والاعتقال والقتل التي مارستها السلطة المحتلة. وقد تصدى برامكي بقوة وشجاعة لما تعرّضت له الجامعة من إجراءات تعسفية، وواجه جنود الاحتلال وضبّاطه وحكامه العسكريين ووزراء حربه ليضمن استمرار الجامعة في أداء دورها التربوي والوطني. وإذ كانت تلك المرحلة العصيبة مرحلة بناء جامعة حديثة المولد، فقد نجح برامكي في وضع الأسس والقوانين الناظمة لعمل الجامعة وفي توسيعها بإنشاء العديد من الكليات والبرامج الأكاديمية الجديدة.

لم يقتصر عمل برامكي على إدارة جامعة بيرزيت، بل عمل على التنسيق بين الجامعات الفلسطينية التي نشأت في تلك الفترة فكان أحد مؤسسي "المجلس الفلسطيني الأعلى للتعليم العالي" سنة 1977 وشغل منصب أمينه العام ونائب رئيسه. كما عمل على التواصل والتشبيك مع عدد كبير من الجامعات الأوروبية والأميركية، فأسهم في الإعداد لـ"برنامج التعاون الأكاديمي الفلسطيني- الأوروبي في مجال التعليم" الذي تأسس سنة 1991 لدعم الجامعات الفلسطينية وتوفير المنح لطلبة الدراسات العليا. وهذه التجربة الفريدة وثّقها في كتاب أصدره سنة 2010 كتب مقدمته الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بعنوان: (Peaceful Resistance: Building a Palestinian University Under Occupation)

بعد عودة رئيس الجامعة حنا ناصر من المنفى مع إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية سنة 1994، استمر جابي برامكي في القيام بدوره في خدمة الجامعة، عضواً فاعلاً في مجلس أمنائها مدى الحياة. كما قدّم خدمات جليلة لتأسيس منظومة التعليم الفلسطيني وتطويرها إذ إنه اختير في سنة 1994، لخبرته الطويلة وتجربته المتميّزة، مستشاراً خاصاً لأول وزارة للتربية والتعليم العالي في السلطة الوطنية الفلسطينية، وكان أول رئيس لمجلس "صندوق تحسين جودة التعليم"، وتولّى في الوقت نفسه منصب الأمين العام لـ "مجلس البحث العلمي".

لم تقتصر إسهامات جابي برامكي على مجال التعليم فكان رئيسا لـ"مجلس العدل والسلام الفلسطيني"، ومشاركاً في "مؤتمرات بجواش" (Pugwash Conferences) للعلوم والشؤون الدولية، وانتخب عضواً لمجلسها لدورتين متتاليتين (1992-2002)، كما كان عضواً في "معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى".

ظلّ جابي برامكي حتى آخر أيام حياته معتنقاً مبدأ المقاومة السلميّة للاحتلال الإسرائيلي الذي تبنّاه ومارسه طوال مسيرته الحياتيّة والمهنيّة، فكان عضواً مؤسّساً للحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافيّة لإسرائيل التي انطلقت سنة 2004، إذ وجد في هذه الحملة، التي استثمر اتصالاته الدولية الواسعة للإسهام في إطلاقها ونشرها، تجلّياً من تجلّيات ذلك المبدأ الذي آمن به وعمل طوال مسيرته الحياتية والمهنية على تجسيده سعياً لتحقيق التحرر من سطوة آخر استعمار في العالم، وهو استعمار استيطاني يمارس سياسة إلغاء الوطن الفلسطيني والهوية الفلسطينية العربية.

كذلك، تجلّى مبدأ المقاومة السلمية في مسعى جابي برامكي لترسيخ الجذور الفلسطينية في أرض فلسطين بتعزيز ارتباط الفلسطيني بأرضه من خلال خلق مقوّمات تسهم في تحقيق ذلك الارتباط. فقبيل رحيله في 30 أب/ أغسطس 2012 أوصى برامكي بإنشاء صندوق خاص للبحث العلمي التطبيقي في قطاعي الصناعة والزراعة الفلسطينيين في إطار جامعة بيرزيت، يمنح الدعم المالي للبحوث الجامعية الهادفة للنهوض بالصناعات الفلسطينية، وخصّص في وصيته مبلغاً مالياً لإطلاق هذا الصندوق.

جابي برامكي مثقف ومربّ ومناضل ملتزم، ومسهم بارز في تأسيس نظام التعليم العالي في فلسطين وتطويره، كرّس جهده لإثبات حقّ الفلسطينيين في التعليم تحت الاحتلال والدفاع عن ذلك الحق.

نال جابي برامكي خلال حياته وبعد رحيله تقديراً كبيراً، فقد منحته وزارة التعليم العالي الفرنسية سنة 1993 "وسام الفارس" (Chevalier de l’ordre national de la Légion d'honneur) اعترافاً بإسهاماته المتميّزة في التربية. كذلك منحه رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بعيد رحيله "وسام الاستحقاق والتميّز"، "تقديراً لدوره الأكاديمي المتميّز في رفع شأن التعليم العالي والمساهمة في بناء الجامعة الأولى في فلسطين، وتثميناً لعطائه وإسهاماته الوطنية المتميّزة". كما أنشأت جامعة بيرزيت كرسي أستاذية في الكيمياء باسم "كرسي الدكتور جابي برامكي"، وأعلنت "جائزة برامكي للتميّز" للخريجين.

أبرز مؤلفاته:

“Education against all Odds: The Palestinian Struggle for Survival and Excellence.” In Ronald G. Sultana (ed.), Educators of the Mediterranean… Up Close and Personal Voices from South Europe and the MENA Region, 7–17. Rotterdam: Sense Publishers, 2011. 

Peaceful Resistance: Building a University Under Occupation. London and New York: Pluto Press, 2009.

Palestinian Higher Education – an Overview.” This Week in Palestine, no. 102, October 2006.

“Security and Violence in the Middle East.” International School on Disarmament and Research on Conflicts Workshop, Andalo, Italy, January 2003; available at http://www.isodarco.com/courses/andalo04/paper/andalo04-baramki.pdf.

“Itamar Marcus again: Jerusalem Post Editorial about Palestinian Textbooks.” Palestine Monitor, 7 September 2003.

“La même peur.” Le Nouvel Observateur, 28 November 2002.

“Aspects of Palestinian Life Under Occupation.” British Journal of Middle Eastern Studies. 19, no.2 (1992): 125–32.

 

المصادر:

الشيخ، عبد الرحيم. ”سيرة جابي برامكي وتجربته في جامعة بير زيت (1929-2012)". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2015.

جامعة بيرزيت. "كلمة الدكتور حنا ناصر في تأبين الدكتور جابي برامكي (3/11/2012)"، على موقع الجامعة birzeit.edu.

Baramki, Haifa. “Gabi Baramki Fund for Scientific Applied Research”. This Week in Palestine. no. 197. September 2014.

The Friends of Birzeit University (FOBZU). “BZU Community Mourns the Loss of Dr. Gabi Baramki”. at fobzu.org.

Institute for Middle East Understanding (IMEU). “Gabi Baramki: Intellectual and Defender of Education”. at imeu.org.