سيرة

جورج حبش

سياسيّون

جورج حبش

1 آب 1925, اللد, فلسطين
26 كانون الثاني 2008, عمّان, الأردن

ولد في مدينة اللد في فلسطين لعائلة عربية مسيحية أرثوذكسية ميسورة الحال تمتلك أراضي زراعية ومحلات تجارية.

والده: نقولا، تاجر معروف

والدته: تحفة

أخوته: رزق؛ فوتين؛ ايلين؛ انجيل؛ نجاح؛ سلوى.

زوجته: ابنة عمّه هيلدا حبش التي واكبت مسيرته وشاركته في كل مراحل حياته النضالية.

ابنتاه: ميساء ولمى.

تنقسم سيرة "الحكيم" إلى سبع حقب:

أولاً: النشأة والتحصيل العلمي وبلورة فكره ونشاطه السياسي 1925– 1954:

أكمل حبش المرحلة الابتدائية في اللد ثم انتقل لمتابعة دراسته الثانوية في "المدرسة الوطنية الأرثوذكسية" في يافا ومن ثم في "مدرسة تراسنطة" (Terra Sancta College) في القدس التي تخرج منها بعد حصوله على شهادة المتريكوليشين (Matriculation).

عاد حبش إلى يافا حيث عمل مدرساً لمدة سنتين ولم يكن قد تجاوز سن السادسة عشر، وكان الجو العام في فلسطين مشحوناً بالغضب والتوجس من سياسة بريطانيا الانتدابية وتصاعد العمل الإرهابي على يد العصابات الصهيونية "الهاغاناه" و"الأرغون" و"الشتيرن".

التحق حبش سنة 1944 بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان طالباً ناجحاً متميّزاً عاش حياته الجامعية جامعاً بين الدراسة وهواياته في الرياضة وحب الفنون والموسيقى، فضلاً عن نشاطات ثقافية واهتمامات سياسية متزايدة وخصوصاً في ضوء أحداث فلسطين وصدور قرار هيئة الأمم المتحدة 181 في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 بتقسيم البلاد.

وتأثر حبش في هذه الفترة أكثر ما تأثر في بلورة انتمائه وفكره القومي بفكر وتعاليم أستاذ التاريخ العربي في الجامعة الدكتور قسطنطين زريق، العلماني الوحدوي والاستقلالي العروبي الليبرالي. وكانت الجامعة تعجّ بالطلاب العرب من مختلف الأقطار العربية والذين يحملون همومهم وأحلامهم القومية وكان ملتقاهم في "جمعية العروة الوثقى" الثقافية الطلابية التي كان الدكتور زريق أباً روحياً لها والتي انتخب حبش أميناً لهيئتها العامة في سنة 1949– 1950.

وكان الحدث الأدهى الذي تخلل سنوات دراسته الجامعية وشكل منعطفاً تاريخياً ونقطة تحول في حياته تدهور الوضع الأمني في فلسطين تدهوراً كارثياً خلال عام النكبة 1948 وسقوط المواقع الفلسطينية في أيدي القوات الصهيونية مدينة مدينة وقرية قرية وطرد سكانها منها، بما حدا بهأن يقطع دراسته الطبية ليلتحق في حزيران/ يونيو 1948 بمستوصف في اللد، مسقط رأسه، مساعداً للطبيب المشرف لعلاج الجرحى والمرضى من المدافعين والمدنيين بينما كانت القوات الصهيونية تقترب من المدينة. وتحتل هذه القوات اللد وجارتها الرملة في 11 تموز/ يوليو 1948 وتطرد سكانهما البالغين ما ينوف عن 60,000 نسمة وتجبرهم، بإطلاق النار، على السير على الأقدام إلى داخل البلادـ وكان حبش ووالداه وأخوته في عدادهم، يسعف المرهقين من النساء والأطفال والشيوخ.

عاد حبش إلى بيروت في تشرين الأول/ أكتوبر 1948 ليتابع دراسته في الجامعة الأميركية، فتخرج منها طبيباً في سنة 1951، ثم انضم في إثرها إلى الجامعة مساعداً باحثاً إلى أستاذ علم الأنسجة فيها. بيد أن ما طغى على تفكيره ومشاعره ما كان علم الأنسجة وإنما ما حلّ بفلسطين، فنشط في تنظيم تظاهرات طلاّبية احتجاجية أدت إلى اعتقاله ورفقائه، وفي تأسيس تنظيم شبابي قومي طليعي. وما لبث أن غادر بيروت في سنة 1952 إلى عمّان حيث أسس عيادة طبية مجّانية مع رفيق عمره الدكتور وديع حداد لمعالجة اللاجئين والفقراء، وأخذ في تكثيف نشاطه في التنظيم الشبابي مع استمراره في تنظيم التظاهرات الاحتجاجية ولكن على نطاق جماهيري أوسع ضد الأحلاف العسكرية المؤيدة للدول الغربية الكولونيالية، الأمر الذي أدّى إلى ملاحقته من قبل سلطات الأمن الأردنية واضطراره للعمل السري والاختفاء لمدة عامين في الأردن، انتقل بعدها إلى دمشق في سنة 1954.

ثانياً: تأسيس "حركة القوميين العرب" وتزعمها والانسجام مع التيار الثوري الناصري المصري 1954- 1961:

عصفت بالدول العربية المشرقية في إثر احتلال القوات الصهيونية لمعظم فلسطين وهزمها الجيوش العربية النظامية مجتمعة، ردود فعل عنيفة على شكل انقلابات عسكرية ضد الأنظمة القائمة واغتيالات لكبار المسؤولين فيها وقيام أحزاب ثورية فتيّة، أهمها في الديار الشامية "حزب البعث العربي" في دمشق و"حركة القوميين العرب" التي أعلن جورج حبش، عن تأسيسها في مؤتمر عام عقد في عمّان في سنة 1956، مع رفاق له هم: وديع حداد (فلسطين)، وصالح شبل (فلسطين)، وحامد جبوري (العراق)، وأحمد الخطيب (الكويت)، وهاني الهندي (سوريا). استلهمت "الحركة" في دعوتها تعاليم كل من قسطنطين زريق وساطع الحصري العلمانية الوحدوية وتبنت شعار "وحدة؛ تحرير؛ ثأر"، أي وحدة بين الدول العربية وتحرر من الاستعمار الغربي كمدخل إلى "استرداد فلسطين" مع الحرص على التمييز بين الصهيونية واليهودية.

أما في مصر، فقد كانت ردة الفعل الإطاحة بالنظام الملكي وقيام حكم جمهوري بقيادة الضباط الأحرار وعلى رأسهم جمال عبد الناصر الذي ما لبث أن استهوى مشاعر الجماهير العربية من الخليج إلى المحيط بتصديه للدول الاستعمارية الغربية ولإسرائيل وتبنيه للفكر الوحدوي وتأييده للحركات الاستقلالية. وهكذا حدث تجانس وانسجام تلقائي بين الحركة وبين القاهرة عززته العلاقات الشخصية بين القيادتين، الأمر الذي أعطى زخماً كبيراً للحركة ومكّنها من الانتشار في كل من الأردن وسوريا وصولاً إلى دول الخليج وليبيا والمغرب واليمن وإلى قيام الوحدة بين مصر وسوريا في سنة 1958 التي طامت لغاية 1961، والتي شاركت فيها الحركة مساهمة فعّالة. وكان حبش قد تعرّض قبل الوحدة إلى ملاحقة النظام الأردني الملكي المحافظ– إذ إن الأحزاب السياسية كانت قد حظرت في المملكة في أعقاب "العدوان الثلاثي" (البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي) على مصر في سنة 1956- واضطر للاختفاء والعمل سراً إلى حين انتقاله إلى دمشق بعد قيام الوحدة سنة 1958.

ثالثاً: صدمة الانفصال وآثارها 1961 – 1965:

بلغ الانسجام بين "حركة القوميين العرب" والتيار الناصري ذروته في أثناء الوحدة المصرية- السورية بين 1958– 1961، واشترك بعض قيادي "الحركة" في الحكومة الوحدوية، وأولى حبش اهتماماً خاصاً بأوضاع اليمن الجنوبي الذي لعبت قيادته القومية دوراً طليعياً في دعم الكفاح المسلح ضد الوجود البريطاني العسكري في عدن.

وكانت المرحلة التالية للانفصال في سنة 1961، من أصعب مراحل نضال الدكتور حبش وأقساها، ذلك بأنه تعرّض خلالها هو وزملاؤه للمطاردة ومحاولات الاغتيال، ليس فقط من قبل السلطات التي قامت بالانفصال ولكن أيضاً من قبل البعثيين القوميين الذين استطاعوا إسقاط الحكم الانفصالي واستلام السلطة في سوريا عبر انقلاب آذار/ مارس 1963، وذلك بسبب ما نشب من خلاف بين البعثيين والناصريين. وكان أن قام الناصريون بدورهم بمحاولة انقلاب فاشلة أعقبها اعتقالات ومحاكمات وإعدامات، وكان الدكتور حبش ممن صدر بحقهم حكم الإعدام بتهمة المشاركة مع الناصريين بالمحاولة الانقلابية في سنة 1963، ومما زاد من عسر أحوال حبش الشخصية أن رافقت هذه المرحلة بداية حياته الزوجية وولادة ابنته البكر ميساء سنة 1962 واضطراره للاختفاء والانتقال سراً إلى بيروت سنة 1964 لمتابعة نضاله من هناك.

رابعاً: قيام "منظمة التحرير الفلسطينية"؛ هزيمة حرب حزيران/ يونيو 1967؛ تأسيس "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"؛ التوجّه نحو الماركسية؛ الصدام مع النظام الأردني 1965- 1971:

شهدت أواسط الستينات قيام "منظمة التحرير الفلسطينية" بقيادة أحمد الشقيري ودعم معظم الأنظمة العربية لها، ووقَفَ الدكتور حبش من الشقيري موقف المتحفظ على قدراته على تحقيق أهدافه، بيد أن الحدث الأهم في هذه الحقبة، كان الفاجعة الكبرى بهزيمة حزيران التي أدت إلى سقوط ما تبقى من فلسطين غربي نهر الأردن بما في ذلك القدس الشرقية، والجولان في سوريا، وسيناء في مصر، حيث غدت هذه الكارثة المحطة الثالثة المفصلية في تكوين فكر "الحكيم" السياسي بعد محطتي نكبة 1948 وانفصال 1963، ذلك أنها دفعته إلى مراجعة إيديولوجية "الحركة" باتجاه الفكر الماركسي اللينيني والتي أسفرت عن قيامه في كانون الأول/ ديسمبر 1967 بتأسيس تنظيم جديد باسم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" حلَّ محل "حركة القوميين العرب"، هدفها تحرير فلسطين عن طريق الكفاح المسلح. وحري بنا أن نذكر في هذا المقام أن "الحكيم" لم ير أي تناقض بين تحولّه الإيديولوجي هذا وانتمائه القومي إذ أكد أنه في حال انسجام تام بين "قوميتي العربية، ومسيحيتي، وثقافتي الإسلامية وماركسيتي التقدمية... أنا ماركسي، يساري الثقافة، التراث الإسلامي جزء أصيل من بنيتي الفكرية، والإسلام أهم مضامين القومية العربية، كما أن القومية العربية مكوّن أصيل من مكوّناتي". واعتبر حبش "المنهج الجدلي المادي" جوهر الماركسية.

وكان أن تلقى حبش دعوة من السلطات السورية في سنة 1968 وإذ بها خدعة حتى تعتقله، واعتقل فعلاً لمدة عشرة أشهر بتهمة تأسيس خلايا مسلحة ووضع بأسوأ سجون سوريا، وهو سجن الشيخ حسن، حيث عانى فيه من التعذيب النفسي ما عانى، وانكبّ وهو في السجن على قراءة ماركس وانغلز ولينين وهوشي منه وماو تسي تونغ وتعمق فهمه للماركسية. وأنقذه من السجن رفيقه الدكتور وديع حداد بتنفيذ عملية جريئة مذهلة.

انتقل حبش في سنة 1969 سراً إلى الأردن للالتحاق بفصائل المقاومة التي أخذت تتموضع هناك في قواعد فدائية بعد هزيمة الجيوش النظامية في سنة 1967 وشهدت السنوات التالية تصاعد العمل الفدائي ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في الداخل.

وتبنّت "الجبهة الشعبية" بإشراف الدكتور وديع حداد، فضلاً عن الكفاح المسلح، اختطاف الطائرات الإسرائيلية والتابعة للدول الغربية (من دون التعرض لأرواح الركّاب) نهجاً لإيقاظ الضمير العالمي الغافل عمّا حدث في نكبتي 1948 و1967 وما بينهما، ولوضع معاناة الشعب الفلسطيني في غير مواربة على جدول أعمال العواصم الغربية المؤيدة لإسرائيل والمحافل الدولية المسؤولة.

وما لبث أن أدّى تصاعد العمل الفدائي وردود الفعل الإسرائيلية العنيفة عليها وسلوكيات بعض الفصائل الفلسطينية السلبية إلى ازدياد الاحتكاك بين الأطراف الفلسطينية وسلطات الأمن الأردنية، ووصل الاحتكاك ذروته في أعقاب قيام الدكتور حداد في 1970 بخطف ثلاث طائرات غربية كبرى وإنزالها في مطار صحراوي أردني وتفجيرها (بعد إخلائها من ركّابها وملاّحيها)، وهو الأمر الذي حدا بسلطات الأمن والجيش الأردنية إلى المجابهة المسلحة مع الوجود الفلسطيني الفدائي على أراضيها من المقاتلين والمدنيين وانتقل القتال من أحياء عمان إلى أحراش جرش، ودارت المعارك الطاحنة حتى أواخر سنة 1971 وخروج المقاتلين الفلسطينيين وقياداتهم إلى لبنان.

خامساً: "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان" 1972- 1982:

أمضى الدكتور حبش معظم سني هذه الحقبة العشرة في لبنان شاهداً على أحداث جسام ومشاركاً في بعضها على الصعيد الشخصي والتنظيمي والإقليمي والمحلي.

أما شخصياً، فقد تعرّض حبش سنة 1972 لذبحة قلبية كادت تودي بحياته، وتبعها سنة 1980 نزيف دماغي حاد تغلّب عليه بصلابة إرادته، وتخلل هذه الأعوام قيام المخابرات الإسرائيلية (الموساد) باغتيال رفيقه الأديب والروائي غسان كنفاني سنة 1972، الناطق الرسمي باسم "الجبهة الشعبية"، بواسطة متفجرة دسّت تحت مقعد سيارته ببيروت، كما اغتالت سنة 1978 رفيق الدرب الدكتور وديع حداد عن طريق التسمم الكيمائي، فكان لهذين الحدثين وقع الصاعقة على "الحكيم"، ولم ينج هو نفسه من الموساد إلاّ بأعجوبة ذلك بأنها قامت سنة 1973 بخطف طائرة تابعة لـ "خطوط الشرق الأوسط" اللبنانية التي كان يفترض أن يكون على متنها لولا إجراء احترازي أمني في اللحظات الأخيرة  قبل إقلاعها من بيروت.

أما على الصعيد التنظيمي، فقد أعلنت "الجبهة الشعبية" في سنة 1972 عن تخليها عن نهج خطف الطائرات، لكنها انغمست أكثر فأكثر، شأنها في ذلك شأن سائر الفصائل الفلسطينية على الساحة اللبنانية، في لعبة التحالفات والتوازنات بين القوى السياسية اللبنانية التي انقسمت إلى فئتين كبيرتين إحداهما تؤيد العمل الفدائي ضد إسرائيل والثانية تعارضه. وفي سنة 1975، انفجر الوضع في لبنان في حرب أهلية هوجاء، ولم تلبث إسرائيل أن استغلت الأحداث المستجدة، فعملت على تسعير التوتر المتصاعد، مراهنة على فسحة المبادرة التي منحتها إياها الاتفاقية المرحلية مع مصر (اتفاق سيناء 2، في أيلول/ سبتمبر 1975)، ثم معاهدة الصلح (آذار/ مارس 1979). فقد شكلت العلاقات المصرية – الإسرائيلية، وخصوصاً السلام المنفصل، أهم التطورات الإقليمية في هذه الحقبة، إذ أخرجت أكبر دولة عربية وأقواها عسكرياً من المعادلة مع إسرائيل، هذه التطورات التي عارضتها "الجبهة الشعبية" أشدّ معارضة مع سائر القوى الوطنية والقومية.

ساهم خروج مصر من المعادلة في مبادرة إسرائيل في سنة 1982 إلى اجتياح لبنان وحصار بيروت بما فيها من فصائل وقيادات فلسطينية. ودام حصار بيروت، الذي لم تشهده عاصمة عربية قبلاً وقصفها غير المنقطع بحراً وبرّاً وجوّاً، ثمان وثمانين يوماً انتهى بتدخل دولي أدّى إلى خروج القوات الفلسطينية الفدائية وقادتها من لبنان.

سادساً: من الخروج من بيروت إلى الاستقالة من أمانة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين 1982 – 2000:

بعد الخروج من بيروت انتقلت قيادة الثورة الفلسطينية المتمثلة بياسر عرفات إلى تونس. بيد أن الدكتور حبش آثر عدم اللحاق بها واتجه إلى سوريا لقناعته بوجوب إدامة النضال ضد المحتل الإسرائيلي من إحدى دول "الطوق" مهما كانت التحديات، وهكذا سافر بحراً مع سائر المقاتلين ولكن إلى ميناء طرطوس ومنها إلى دمشق التي اتخذها مقرّاً له و"للجبهة" خلال العقد الثامن من القرن الماضي، منطلقاً منها في زيارات إلى عواصم عربية وغير عربية، وحضر خلال هذه السنين اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في الجزائر، أي الدورات السادسة عشرة (1983) والثامنة عشرة (1987) والتاسعة عشرة (1988) والتي ألقى فيها كلمات تاريخية حاضاً على استمرار المقاومة.

وتعرّض الدكتور حبش في هذه الأثناء إلى محاولة اختطاف ثانية من قبل المخابرات الإسرائيلية. في شباط/ فبراير 1986، اعترض سلاح الجو الإسرائيلي طائرة خاصة متجهة من طرابلس الغرب إلى دمشق وأجبرها على الهبوط في إسرائيل. وكان من المفروض أن يسافر حبش على متن الطائرة نفسها، إلا أنه أجّل سفره في اللحظة الأخيرة.

وقفت "الجبهة" موقف المؤيد للرئيس العراقي صدام حسين خلال حرب الخليج الثانية سنة 1990، وزار "الحكيم" بغداد قبل بدء العمليات الحربية الأميركية، وانتقل في السنة ذاتها من دمشق إلى عمان التي كان قد غادرها قبل عشرين عاماً واشترك في المؤتمر الشعبي الذي عقد في العاصمة الأردنية في السنة ذاتها لمساندة العراق.

وساءت حالة "الحكيم" الصحية فتوجه إلى فرنسا في سنة 1992 بموافقة حكومتها، ولكن سرعان ما تحولت زيارته العلاجية إلى قضية سياسية كبرى حين احتشد الآلاف من مؤيدي إسرائيل في ساحة المستشفى مطالبين باعتقاله. ومالت السلطات المضيفة تحت ضغط اللوبي الصهيوني إلى احتجاز ضيفها بتهمة الإرهاب لولا دور بعض الأنظمة العربية وعلى رأسها الجزائر التي أرسلت طائرة رئاسية لنقله إلى الخارج، ولعبت زوجته السيدة هيلدا دوراً بطولياً خلال هذه المحنة بتصديها لفريق المحققين الفرنسيين ومنعهم من الوصول إلى زوجها المريض.

وقف الدكتور حبش و"الجبهة" موقف المعارض الشديد للمشاركة غير المباشرة لمنظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر السلام في مدريد في سنة 1991، ولمحادثات واشنطن التي أدّت إلى الاتصالات السرية بين منظمة التحرير وبين إسرائيل، التي أفضت بدورها إلى اتفاق أوسلو في سنة 1993 وإنشاء السلطة الفلسطينية وعودة رئيس المنظمة ياسر عرفات إلى فلسطين، وفتحت المجال أمام اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية في سنة 1994. وكان موقف حبش من هذه التطورات مرتكزاً على إيمانه بأنها جميعاً لم تلبِّ الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني، إن كان بالنسبة إلى حق العودة وإقامة دولة كاملة السيادة أو تأمين الحماية للأرض من استمرار الاستيطان وقضمها. كما ربط عودته نفسه إلى فلسطين بعودة سائر اللاجئين.

انتقل الدكتور حبش من عمان إلى دمشق حيث أمضى ما تبقى من العقد التاسع من القرن الماضي إلى أن استقال من أمانة سر "الجبهة" في سنة 2000.

سابعاً: من الاستقالة من أمانة سر "الجبهة" إلى الوفاة 2000- 2008:

استمر الدكتور حبش يؤدي دوره الوطني وخاصة في ظل الانتفاضة الثانية سنة 2000، وبقي على تواصل مع الهيئات القيادية والفصائل الوطنية والجهات العربية الرسمية، والملفت أنه أولى اهتماماً كبيراً في آخر سني حياته لتأسيس "مركز الغد للدراسات الاستراتيجية" محرضاً على ضرورة تعمق العقل العربي والفلسطيني في فهم أسباب الهزيمة أمام المشروع الصهيوني، وصدر له العديد من المؤلفات السياسية والفكرية خلال هذه الحقبة بما في ذلك أدبيات "الجبهة" ووثائق المؤتمرات الحزبية، كما صدر له كتاب "الثوريون لا يموتون أبداً" بالفرنسية (2008) والعربية (2009)، وهو نتاج مئة ساعة من الحوار مع الصحفي الفرنسي جورج مالبرينو الذي أخذ طابع السيرة الذاتية.

بقي الدكتور حبش في دمشق حتى نهاية سنة 2007 يتردد إلى عمان لزيارة ابنتيه وأحفاده، ولم يترك دمشق إلاّ قبل شهرين من وفاته وتوفي في عمان في 26 كانون الثاني/ يناير 2008 في إثر تعرضه لجلطة قلبية، ودفن فيها.

انتهت بوفاة "الحكيم" مسيرة قائد مناضل صلب العود طويل الأناة عفيف النفس رابط الجأش كرّس حياته كاملة لبلده، وكان من أخلص المناضلين وأصدقهم من أجلها في النصف الثاني من القرن العشرين.

 

المصادر:

حبش، جورج. "الثوريون لا يموتون أبداً: حوار مع جورج مالبرينو". بيروت: دار الساقي، 2009.

سويد، محمود. "التجربة النضالية الفلسطينية: حوار شامل مع جورج حبش". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998.

مطر، فؤاد. "حكيم الثورة: قصة حياة الدكتور جورج حبش". لندن: منشورات هاي لايت، 1984.

Habache, Georges. Les révolutionnaires ne meurent jamais: Conversations avec Georges Malbrunot. Paris : Fayard, 2008.