VI- صعود الحركة الفلسطينية في أعقاب هزيمة حزيران العربية

VI- صعود الحركة الفلسطينية في أعقاب هزيمة حزيران العربية

شهدت الفترة بين سنتي 1967 و1972 ذروة الصراع العربي الإسرائيلي في بُعده الدولي، ففي حرب سنة 1967 هزمت إسرائيل ثلاثة جيوش عربية واستطاعت السيطرة على فلسطين التاريخية كلها، لتركز "دول المواجهة" العربية جهودها بعد ذلك على استرجاع الأراضي التي خسرتها. وعاد الفلسطينيون خلال تلك الفترة إلى المشاركة الفاعلة في الصراع، فنمت أساليب حرب العصابات داخل الفصائل الفلسطينية المسلحة، وعلى رأسها حركة فتح، التي سيطرت في نهاية المطاف على منظمة التحرير الفلسطينية ومنحتها روحاً وأهمية جديدتين.

كان التوتر بين العرب وإسرائيل قد اشتد قبل سنتين من اندلاع حرب سنة 1967، بسبب دعم سوريا العمليات في الداخل الإسرائيلي التي كان يقوم بها مقاتلو "فتح" انطلاقاً من الأراضي التي يسيطر عليها الأردن، وردت إسرائيل من جهتها على هذه العمليات بغارات عبر الحدود ضد أهداف فلسطينية وعربية، وكان أشد هذه الغارات وأعنفها يوم 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1966 على قرية السموع في الضفة الغربية، حيث أسفرت عن خسائر بشرية كبيرة، كما كانت مناوشات متكررة تقع بين القوات الإسرائيلية والسورية بالقرب من المنطقة المنزوعة السلاح، إلى أن شهد يوم 7 نيسان/ أبريل 1967 معركة حقيقية، جوية وبرية، بين إسرائيل وسوريا، رافقتها تهديدات إسرائيلية ضد النظام السوري وتبعتها تقارير كاذبة مررها المسؤولون السوفييت إلى الحكومة المصرية عن حشد عسكري إسرائيلي على الحدود السورية. وعلى رغم أن مصر وسوريا كانتا وقّعتا معاهدة دفاع مشترك في تشرين الثاني/ نوفمبر 1966، إلا أن الرئيس المصري والزعيم العربي البارز وقتها جمال عبدالناصر، لم يكن متشوقاً لوقوع الحرب (وخصوصاً بعد أن دفع بقوات مصرية كبيرة إلى اليمن خلال الحرب الأهلية فيه).

وفي استعراض للقوة تجاه إسرائيل، أمر عبدالناصر جيشه بالتعبئة العامة في 14 أيار/ مايو 1967، ولكن سرعان ما دحرج ذاك الاستعراض الأحداث نحو الحرب، على الرغم من الجهود الدولية لحل الأزمة، ففي 19 أيار/ مايو طرد عبدالناصر قوة طوارئ الأمم المتحدة المتمركزة بين القوات المصرية والإسرائيلية في قطاع غزة وسيناء وفي شرم الشيخ، كما أقفل مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، وخلال أيام (في 25 أيار/ مايو) حشدت إسرائيل قوات الاحتياط، ليتبعه في 30 أيار/ مايو توقيع مصر والأردن معاهدة دفاع مشترك وسماح الأردن للقوات العراقية بدخول البلاد من الشرق.

وكسرت إسرائيل المواجهة الصامتة والمتوترة في 5 حزيران/ يونيو، ففاجأت الجبهات العربية بغارات جوية مفاجئة وشاملة وصاعقة على المطارات المصرية، مدمِّرة أكثر من 300 طائرة، ومبيدة عملياً القوة الجوية المصرية عن بكرة أبيها. وبعد بضع غارات جوية غير فاعلة على إسرائيل من الطائرات السورية والعراقية، هاجمت القوة الجوية الإسرائيلية القواعد الجوية الأردنية والعراقية لاحقاً في ذلك اليوم، فدمّرت المزيد من الطائرات، بالتزامن مع اجتياح القوات البرية الإسرائيلية غزة وسيناء واحتلالهما في ثلاثة أيام. وفي يوم 5 حزيران/ يونيو المشؤوم أيضاً، عبرت القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية واستولت على القدس الشرقية بعد معارك طاحنة مع الجيش الأردني، وسرعان ما أصبح كامل الضفة الغربية في يديها. وعلى الرغم من موافقة سورية على وقف لإطلاق نار اقترحته الأمم المتحدة في 9 حزيران/ حزيران، إلا أن القوات الإسرائيلية استمرت بمهاجمة مواقع سورية في مرتفعات الجولان، ولم يتوقف العدوان الإسرائيلي إلا في 10 حزيران/ يوليو، ليوافق الجميع في اليوم التالي على وقف إطلاق النار.

شكلت الحرب هزيمة مدمرة للعالم العربي، الذي أطلق عليها تخفيفاً اسم "النكسة"، ووجَّه عبد الناصر اللوم إلى نفسه على الخسارة القاسية واستقال، لكن الجماهير أعادته إلى السلطة عقب تظاهرات شعبية عارمة.

كانت نتائج الحرب الكارثية خسارة مصر صحراء سيناء، ولم تعد قناة السويس صالحة للملاحة والإبحار ومرور السفن عبرها، نظراً إلى أنّها تحولت خط مواجهة بين القوات المصرية والإسرائيلية، وخسرت سوريا كذلك مرتفعات الجولان المهمة استراتيجيّاً. أما الفلسطينيون، فقد احتل الإسرائيليون أرضهم في قطاع غزة التي كانت خاضعة للإدارة المصرية، والضفة الغربية لنهر الأردن التي كانت قد ضُمت إلى المملكة الأردنية الهاشمية ، ما يعني وصول إسرائيل للمرة الأولى إلى السيطرة الكاملة على فلسطين التاريخية. ومن النتائج الأكثر مأسوية للحرب، خسارة القدس الشرقية وطرد أو دفع حوالى 400,000 فلسطيني من الأراضي المحتلة إلى النزوح نحو الأردن.

دمرت القوات الإسرائيلية في القدس الشرقية فور احتلالها 135 منزلاً بغية افتتاح ساحة للحجاج اليهود مكانها، وشرّدت بذلك 600 فلسطيني من حارة المغاربة قرب حائط البراق. وفي 28 حزيران/ يونيو، أعلنت إسرائيل ضمّ القسم الشرقي من المدينة وأحياء محيطة به إلى إسرائيل، فوسّعت بذلك في شكل كبير حدود المنطقة الملحقة ببلدية القدس الغربية.

سمحت إسرائيل فور احتلالها الأراضي الجديدة لليهود ببناء مستعمرات فيها، متحدية بذلك اتفاقية جنيف لسنة 1949. وقدّم الوزير الإسرائيلي يغآل آلون في 27 تموز/ يوليو خطة حملت اسمه، وتضمنت إنشاء مستعمرات وسيطرة إسرائيلية دائمة على أجزاء من الأراضي المحتلة. ومع حلول سنة 1972، بلغ عدد المستوطنات في الضفة الغربية تسعاً وعشرين، وفي غزة أربعاً عاش فيها أكثر من 1200 يهودي، إضافةً إلى 8600 آخرين في الحدود الموسعة للقدس.

أعلن العالم العربي في اجتماع قمة الخرطوم في 29 آب/ أغسطس 1967 "اللاءات الثلاث"، وهي: "لا صلح مع إسرائيل" و"لا اعتراف بإسرائيل" و"لا مفاوضات مع إسرائيل". أما مجلس الأمن الدولي، فتبنى في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، بعد أشهُرٍ من النقاشات الحامية، القرار رقم 242 الذي نصَّ على صيغة "الأرض مقابل السلام" كأساس للسلام العربي الإسرائيلي، وعيَّن الدبلوماسي السويدي غونار يارينغ مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة إلى محادثات السلام. لكن مهمة يارينغ أثبتت عدم نجاعتها مع حلول سنة 1970، حيث استؤنفت الهجمات المتبادلة والمحدودة بين القوات المصرية والإسرائيلية بعد فترة وجيزة من حرب 1967، وتصاعدت حدة هذه الهجمات من الجانب المصري على طول قناة السويس لتتحول حربَ استنزاف لإسرائيل بادرت إليها مصر في بداية آذار/ مارس 1969. وبحلول كانون الثاني/ يناير 1970، كانت الخسائر المصرية في العتاد الحربي كبيرة، إلى درجة أن عبد الناصر سافر سرّاً إلى الاتحاد السوفييتي لطلب مساعدة عسكرية إضافية، فتمّ إرسال طيارين سوفييت ومن كوريا الشمالية لقيادة الطائرات المصرية في القتال مع القوة الجوية الإسرائيلية، ما أدى إلى قيام وزير الخارجية الأميركي وليام روجرز بطرح مبادرة لتأمين وقف لإطلاق النار، الأمر الذي قبلت به مصر وإسرائيل والأردن في آب/ أغسطس 1970. وتوفي عبد الناصر في الشهر الذي تلا مبادرة روجرز، وبدأ خلَفه الرئيس المصري الجديد أنور السادات بالتفكير في الطرق الكفيلة بسحب مصر من النزاع مع إسرائيل.

أعادت الهزيمة العربية في سنة 1967، بما فيها احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، المشكلة الفلسطينية إلى الواجهة، وتعهدت المجموعات الفلسطينية المسلحة المعروفة باسم الفدائيين، وعلى رأسها فتح، بإكمال درب المقاومة العربية.

وعلى الرغم من أن تخطيطها لإثارة انتفاضة ضد إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة لم ينجح في الأشهر الثلاثة الأولى للاحتلال، فقد بدأت فتح تنظيم غارات مسلحة على إسرائيل عبر الحدود الفلسطينية، وسرعان ما تأسّست جماعات فلسطينية أخرى تتبع منهاج الكفاح المسلح في صراعها مع إسرائيل، لا سيما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (في كانون الأول/  ديسمبر 1967). وارتفعت شعبية الفدائيين، و"فتح" بصورة خاصة، في شكل كبير ولافت نتيجة معركة الكرامة في 21 آذار/ مارس 1968.

حدثت المعركة إثر غارة إسرائيلية كبيرة على الأراضي الأردنية هدفت إلى تدمير قاعدة للفدائيين في قرية الكرامة بغور الأردن. ومع أن القوات الإسرائيلية نجحت في ذلك، إلا أن عدد ضحاياها إثر المعركة كان مرتفعاً بشكل غير مألوف بالنسبة إلى دولة كانت منتصرة على الدوام، نتيجةً للدفاع العنيد والكمائن التي قام بها مقاتلو "فتح" والقوات العسكرية الأردنية ووحداتها المدفعية ودباباتها. وبعد تلك المعركة ذات الدلالات النضالية السامية، توافد المتطوعون إلى الانضمام إلى منظمات الفدائيين زرافات ووحداناً.

أما منظمة التحرير الفلسطينية، فقد عانت -كما الأنظمة العربية- من التداعيات السياسية السلبية للهزيمة، فباتت فاقدة المصداقية بشكل كبير، كونها أنشئت بقرار من مصر والجامعة العربية، ما أفسح في المجال أمام فتح ومجموعات فدائية أخرى للاستيلاء على المنظمة في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني في تموز/ يوليو 1968. ثم جرى في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني في شباط/ فبراير 1969، انتخاب قائد "فتح" ياسر عرفات رئيساً عليها، مع تأكيد الفلسطينيين في مجلسهم الوطني أن الصراع المسلح هو الوحيد القادر على تحرير فلسطين، مستنكرين قرار مجلس الأمن الرقم 242 وخطة روجرز.

وسرعان ما أدت الأعداد المتزايدة لقوات الفدائيين في الأردن إلى تصعيد المواجهة العسكرية مع إسرائيل، في حين تسبب تحول التنظيمات الفلسطينية إلى دولة داخل الأردن بتوتر حاد في العلاقة مع النظام الأردني ظل يتصاعد إلى أن اختطفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثلاث طائرات في أوائل أيلول/ سبتمبر 1970 وحطت بها في مطار منطقة الأزرق الصحراوية شمال شرق الأردن، متخذة الركاب رهائن، فعندها أمر ملك الأردن حسين بن طلال بإبعاد قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى خارج عمّان، فخاض جيشه 10 أيام من القتال الشرس والعنيف مع قوات الفصائل الفلسطينية عُرفت بـ"أيلول الأسود"، لترتب الجامعة العربية على أثرها هدنة نصت على انسحاب مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من عمان إلى شمال الأردن، لكنهم لم يلبثوا أن طُرِدوا من هناك أيضاً في جولة أخرى من القتال في تموز/ يوليو 1971.

وبغية الثأر للضربة الموجعة التي أنزلها الملك حسين بالفلسطينيين، قامت فصيلة من فتح أطلقت على نفسها اسم أيلول الأسود، باغتيال رئيس الوزراء الأردني  وصفي التل في القاهرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، وهي المجموعة نفسها التي اختطفت فريقاً من الرياضيين الإسرائيليين في الألعاب الأولمبية في ميونيخ في أيلول/ سبتمبر 1972، وأدت محاولة فاشلة للشرطة الألمانية الغربية لإنقاذ الرياضيين إلى تبادل لإطلاق نار  تسبّب بمقتل أحد عشر رياضياً إسرائيليّاً.

وعلى رغم طرح كثيرين وقتها تساؤلات حول فاعلية عملية ميونيخ، المذهلة والمثيرة للاستعداء في آن، فلا شك في أنها أدت إلى تسرب القضية الفلسطينية إلى الوعي الدولي والوجدان العالمي.

ومع نهاية تلك الحقبة، وعلى الرغم من نكسة سنة 1967 واغتصاب إسرائيل كامل فلسطين التاريخية، يمكن القول إن الفلسطينيين أثبتوا وقتها أنهم يرفضون التسليم بهدوء بالواقع المرّ، بل استطاعوا أن يفرضوا أنفسهم لاعبين فاعلين في الصراع العربي الإسرائيلي.

م. ف.

 

قراءات مختارة:

شايفر، سلمان عبدالله. "سقوط القدس". بيروت: دار النهار للنشر، 1971.

صايغ، روزماري. "الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع الى الثورة". تقديم إبراهيم أبو لغد، ترجمة خالد عايد. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1980.

صايغ، يزيد. "الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية، 1949-1993". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002.

غرين، ستيفن. "الانحياز: علاقات أميركا السرية بإسرائيل". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1985.

كنفاني، غسان. "عائد الى حيفا". بيروت: دار العودة، 1970.

هيكل، محمد حسنين. "1967 الانفجار، حرب الثلاثين سنة". القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1990.

عربية
التاريخ: 
1966/07/14 الى 1973/10/06
عنوان قصير: 
الحركة الفلسطينية