حين يصبح المخلّل سلاحًا

حين يصبح المخلّل سلاحًا

حين يصبح المخلّل سلاحًا
الاقتصاد في الانتفاضة الاولى
أحداث من المسرد الزمني ذات صلة

في إحدى غُرف قرية سعير شمال الخليل، كنتَ سترى عام 1989 بضعةَ طاولات تتوزّع حولها مجموعةُ شابّات ينهمكنَ في جزء ٍمن العمليّة: طاولة لتقطيع الليمون، طاولة لعصره، طاولة لتصفيته، طاولة لتعبئته في زجاجات. ربّما تبدو هذه العمليّة البسيطة مجرّد مشروع جماعيّ اقترحته إحدى الجارات حول فنجان قهوة في صبيحةِ يومٍ مُشمس، إلّا أنّ الأمر في حقيقته خطُّ إنتاج ٍأخذ دورَه -وإن كان المتواضع- في بناء اقتصادٍ مقاوم.

هذا ما كان مشروع تعاونيّة سعير، التي تشكّلت خلال الانتفاضة الأولى بمبادرةٍ من اتّحاد لجانِ المرأة الفلسطينيّة، وأحيتها 25 شابّةً من عضوات الاتّحاد وصديقاته المنخرطات سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا في أعمالٍ نضاليّة. إنّها واحدةٌ من عدّة تعاونيّات انتشرت في الأرض المحتلّة خلال الانتفاضة، باعتبارها آليّةً إنتاجيّةً تجسّد المقاومةَ الاقتصاديّة وتدفعُ نحو تعزيز مقوّمات الصّمود بتحقيق الاكتفاء الذّاتيّ.

وُلدت التعاونيّات لتكونَ واحدةً من أساليبَ عديدةٍ لهذه المقاومة الاقتصاديّة. فقد فرضت تطوّرات الانتفاضة تغيّراتٍ ملحّة على نمطَيْ الاستهلاك والإنتاج الفلسطينيّين. إذ لم تعد بضائع العدو خيارًا بفضلِ المقاطعة، وأدّى الحصارُ الاقتصاديّ وتوقّفُ العمال عن العمل في الدّاخل إلى تراجع دخول الأسر الفلسطينيّة، ممّا استدعى خلقَ مساحاتٍ إنتاجيّة تشغيليّة تؤمّن، ولو جزئيًا، العملَ والغذاء، وتعزّز القدرة على الاستمرار.

شكّلت التعاونيات إلى حد ما، تطويرًا على ظاهرة الاقتصاد المنزليّ، إذ ساعدت في تلبية الحاجات الأساسيّة على نطاقٍ يتعدّى الأسرة الواحدة. فقد انتشرت مع بداية الانتفاضة، بمبادرات أهليّة وبدعم من القيادة الوطنيّة الموحّدة، الحدائقُ المنزليّة التي تُزرع فيها احتياجاتُ العائلة من الخضار، إلى جانب تربيةِ الدّواجن والمواشي، وتشجيعِ الصّناعات الغذائيّة البيتيّة والحرف البسيطة، وفي بعض الأحيان، إقامةِ مشاريع صناعيّة بسيطة كالنّسيج.

بدأت ملامح التّعاونيّات بالتّشكل عبر ممارساتٍ جماعيّة تعاون فيها الأهالي على استصلاح الأراضي غير المستغلّة من خلال زراعتها والعناية بها، وانتشارِ العمل التّطوعي والخيريّ بتوزيع المنتجات الاستهلاكيّة على المحتاجين، وتنظيف الأحياء ومساعدةِ المزارعين في أراضيهم، وتأمينِ المستلزمات الصّحّيّة والمتطوّعين المؤهّلين في مراكز العمل الصّحّيّ، وانتشار ظاهرة التّعليم الشّعبيّ، وهو ما كرّس روحَ التّعاون والتّكافل الاجتماعي ووَحّد مجهودات مقاومة الاحتلال، ما شكّل أرضيّةً لخطواتٍ لاحقة.1

شكّل التّوجّه الإنتاجيّ التّشغيليّ للتّعاونيات الوليدة نموذجًا جديدًا، يبتعد عن التّعاونيات الخدماتيّة، كتعاونيات النّقل والتّسويق، والتّعاونيات الإنتاجيّة السّاعية إلى تحقيق الرّبح للمساهمين، كما أنّها كانت جاءت استجابةً للمحدوديّة التي حكمت الإنتاج المنزليّ، خاصّةً فيما يتعلّق بقصور قدرته التشغيليّة وعدم تنوعّ منتجاته.

تكوّنت عشراتُ التّعاونيّات من هذا الطّراز في الضّفة والقطاع أثناء الانتفاضة، وكانت كلٌّ منها تضمُّ ما يتراوح بين 5 و20 عضوًا وعضوة. واتّسمت غالبيّتها ببُنية داخليّة بدائيّة، فلم تتجاوز كونها تعاونًا في الإنتاج المنزليّ، مثل التعاونيات التي تنتج المخللات في الأحياء، دون أن يخلو الأمر من وجود تعاونيّاتٍ تجاوزت هذا المستوى إلى العمل الزراعيّ وتربية الدّواجن والأغنام والأبقار وتوزيع الحليب.

واعتمد تمويل بعض هذه التّعاونيّات على تبرّعات الأعضاء، وبعضها الآخر على تبرّعات أو "مساهمة" أهالي القرية، وكانت هذه التّعاونيّات تقوم في معظمها على الشّبّان والشّابّات، ما جعلهم هدفًا للاعتقالات، بل أنّ الاحتلال عمد في بعض الأحيان إلى إغلاق بعض هذه التّعاونيّات كما حدث في قرية بتير، قرب بيت لحم.2

  • 1. سمارة، عادل. اداء المؤسسات الاقتصادية في المناطق المحتلة قبل الانتفاضة وخلالها. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 1، 1990، ص 30 - 31
  • 2. المصدر السابق، ص 31
عامان نحو الحرية والاستقلال
"إذا لم تقم بصناعة اقتصاد منزلي ستجوع النّاس، وإن جاعت ستتشكّل حالة إحباط. لذلك كان من الضروري تعزيز الصّمود وبناء نفسيّة أفضل. كانت تلك قضايا أساسيّة في تجسيد قيم مجتمعيّة رائعة من ضمنها التّضامن الاجتماعيّ الذي كان سلاح ماضيًا في يد الفلسطينيّين"
تقول شلالدة واصفةً العقليّة التي انطلقت منها التّعاونيّة.

تروي السيدة لمياء شلالدة في شهادتها الشّفويّة تجربتها في جمعيّة سعير التّعاونيّة التي خلقت تقاطعًا بين مجالات العمل النّضاليّ والإنتاجيّ والنّسويّ في آن واحد.

بإمكانيّاتٍ تمويليّةٍ متواضعة، بادر اتّحاد لجان المرأة الفلسطينيّة لتنظيم هذه الأفكار في تعاونيّات نسويّة، وساعد نساء القرى على توفير المواد الخام للتّصنيع التي اعتمدت على طبيعة القرى وإنتاجها الزّراعيّ حسب الموسم. "كان الإنتاج موسميًا حسب الموسم الزّراعيّ، ففي موسم العنب كان عمل الجمعية يقوم على إنتاج منتجات بيتيّة من العنب. أو مثلًا [في] موسم البرقوق، يُصنّعُ على شكل مربى. (..) في موسم الشتاء، كنّا نعملُ على المنتجات المستخلصة من الحمضيّات مثل العصير الطّبيعيّ المركّز، وإن كانت الطّرق بدائيّة إلّا أنّ تلك الحمضيّات كانت تُصنّع، أو تُستخدم في صناعة المربى"، تقول شلالدة.

حاولت هذه التجارب الدّمج بين التّجربة والخبرة الشّعبيّة في التّصنيع الغذائيّ من جهة، والأسس العلميّة لخلق منتجات مستدامة ذات صلاحية أطول من جهة أخرى. "كان هذا دمجًا حقيقيًا ما بين الحداثة والأصالة"، تقول شلالدة.

"ابتدأ العمل باستئجار مقرّ جُهّزَ بأدواتٍ بسيطة وبدائيّة من براميل وأوانٍ وعصّارات يدويّة، وكان العنصر الأساسيّ هو العمل اليدويّ. كان توفير السّكّر أيضًا مهمًّا جدًا، وتوفير طبّاخات الغاز كذلك، وكانت تُشترى من المنطقة (..) وقد وفّر اتّحاد المرأة الفلسطينيّة المادةَ الخام للتّعاونيّة، ولم يكن شراءُ تلك المواد مطلوبًا من النّساء لعدم قدرتهنّ على شرائها. لم يكن العمل منظّمًا في البداية، لذلك اضطرّت النّساء للتّنسيق مع الاتّحاد، الذي كان يدفع للعضوات مقابل ساعات العمل ويسوّق منتجاتهنّ".

كان هذا النّشاط بحسب شلالدة متعدّد الأبعاد "فقد تشكّل شعورٌ بأنّ هذه التّعاونيّة جزء من النّضال الوطنيّ الفلسطينيّ"، وهو ما عززه احتضان القرية للتّعاونيّة بحيث أصبح مقرّ التّعاونيّة منفذ بيع للقرية والمنطقة بأسرها. كما أنّ التقاء النّساء في مقرّ التّعاونيّة ساعد على "إذابة العقبات الاجتماعيّة والعائليّة بين النّساء (..) ونشر ثقافة صحّة من ناحية البيئة ومحاربة التّلوث والسلوكيّات الوقائية في العمل".

لكن لعلّ الحلقة المفقودة حسبما أوردت شلالدة كانت مدى إشراك النّساء العاملات في عمليّة صنع القرار للتّعاونيّة، فكانت الجهة المشرفة تمارس دور التّخطيط نيابةً النّساء العاملات، اللواتي كنّ أحرص النّاس على التعاونيّة.

وإلى جانب هذه التّعاونية، شكلت تعاونيّات عابود وبيرزيت وكوبر تجاربَ هامّةً في استغلال مساحات الأراضي، ورفع الإنتاج الحيوانيّ من الأغنام أو الأبقار، وتوفير الألبان للقرية قدر المستطاع.1

رغم كلّ هذه المحاولات الإنتاجية؛ ظلّ المتوفّر من المنتجات بعيدًا عن المستوى الذي كان عليه قبل الانتفاضة، وهو ما تطلّب تغييرًا كبيرًا في أنماط الاستهلاك، تمثّل في التّخلي عن الكماليات والتكيّف مع المتاح محليًا.

  • 1. مجموعة من الباحثين، الانتفاضة مبادرة شعبية: دراسة لأدوار القوى الاجتماعية، 1990، ص 182-187.
المرأة الفلسطينية في الانتفاضة

قبل الانتفاضة، عمل العدو على تكريس النّزعة الاستهلاكيّة وتعميقها لمنع الادّخار ولتبذير الأموال وامتصاصها وتحويلها إلى الاقتصاد الإسرائيليّ، إلّا أن مجيء الانتفاضة تسبب ولو جزئيًا وبشكل تدريجيّ في قلب تلك المعادلة، من خلال تقليص حجم الاستهلاك والابتعاد عن مظاهر التّرف ومقاطعة سلع العدو ذات البديل الوطنيّ أو الأجنبيّ، ونتيجةً لهذه الممارسات؛ انخفض شراء مواد التّجميل والثّياب والأحذيّة والسّجاد والإثاث، وتقلّص قصد المطاعم والمزيّنين والمصوّرين والخيّاطين، واقتصرت احتفالات الزّواج على الحدود الدّنيا.1

ويصف عادل سمارة ذلك بـ "اتّخاذ موقف دفاعيّ ذاتيّ"، تطوّرَ وعيٌ بضرورته واتّخاذه منهجًا طوعيًّا ثابتًا، ليؤدي التقشّف التّدريجيّ إلى التّنازل عن القيم الاستهلاكيّة، والقبول الاجتماعي بالمنتجات المحلّيّة الأقلّ جودةً، ومقاطعة البضائع الإسرائيليّة ولو بشكل جزئيّ وتدريجيّ، تحت وطأة زخم الحراك الشّعبيّ والهويّة الوطنيّة المتأجّجة.

وبالتزّامن مع تقلّص الاعتماد على الصّناعات الإسرائيليّة، شهدت المصانع العربيّة نموًا مضطردًا، وسيطرت بعض الشّركات العربيّة على حصّة شركات إسرائيليّة في السّوق، مثل سلفانا وجولدن سويت اللتين سيطرتا على حصة شركة عيليت.2

رغم أن المبادرات الفرديّة والجماعيّة كانت أوّل محرّك لهذه التّجارب الاقتصاديّة المقاوِمة، إلّا أنّ القيادة الوطنيّة الموحّدة عبر نداءاتها المتتالية ساهمت بشكل كبير في رسم مسارها والحثّ عليها وتكريسها خيارًا وطنيًّا ذا هدف نضاليّ واضح، يتعدّى مجرّد تأمين الاحتياجات اليوميّة.

  • 1. شنار، حازم. "الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في ظل الانتفاضة". مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد1، المجلد الثاني، 1990، ص 40.
  • 2. سمارة، عادل. إقتصاد الضفة والقطاع من إحتجاز التطور إلى الحماية الشعبية. عكا: دار الاسوار، 1988.

دعا النّداء رقم (8) الصّادر بتاريخ 19 شباط 1988 للمقاطعة الشّاملة والعودة إلى الأرض وتشجيع الاقتصاد المنزليّ. ثم أضاف النداء رقم (9) إلى ما سبق ضرورة عمل القطاعات الإنتاجيّة الفلسطينيّة بأقصى طاقتها وانتظام مواعيد العمل في المهن الحرفيّة، ليكمل النداء رقم (10) تفصيل المنتجات الواجب مقاطعتها فورًا، ويدعو لضبط الأسواق خشية التّلاعب.

واستمرّت نداءاتٌ لاحقة بالتّدرّج في المطالبة بالمقاطعة وتعزيز مقوّمات الصّمود، إذ طالبت بوقف العمل الفوريّ في كافّة المستوطنات واستيعاب تلك القوى العاملة في القطاعات الاقتصاديّة الفلسطينيّة، ودعت المهندسين الزّراعيّين لتدريب الجماهير وتعليمهم، ودعم بناء التّعاونيّات وترشيد الاستهلاك، واستمرار تعزيز تنظيم المجتمع والتّكافل الاجتماعيّ.

ومع النّداء رقم (21)، بلغت القيادة حدّ تحريم ترويج المنتجات الإسرائيليّة وعقاب مروّجيها، والمطالبة بسحب حسابات التّوفير من البنوك الإسرائيليّة وتحسين ظروف العمّال واحتساب أيّام الإضراب من أيّام العمل، وإنشاء لجان حراسة لحماية المنشآت الاقتصاديّة والزراعيّة الفلسطينيّة. ليتبعه النّداء رقم (22) الذي حرّم قطعًا دفع الغرامات والكفّالات ودعا لمقاطعة منشآت العدو السّياحيّة.

لقد ساهمت تجربة مقاطعة البضائع الإسرائيليّة والاعتماد على المنتج المحلّيّ في ترسيخ فكرة التّنمية الذّاتيّة وهذا ما دعم العديد من المبادرات الإنتاجيّة، وتلمّس الفلسطيّنيون عبر هذه المبادرات إمكانيّة توفير الحدّ الأدنى من الاكتفاء الذّاتيّ. فنهوض حركة المقاومة الاقتصاديّة كان جزءًا مؤثرًا ومتأثرًا بحركة المقاومة الشّاملة، لتكون مواجهة محاولات الإخضاع الاقتصاديّ وتعزيز مقوّمات الصّمود سبيلًا لتحقيق الاستقلال الاقتصاديّ باعتباره جزءًا لا يتجزّأ من الاستقلال السّياسيّ الكامل.

متاجر مغلقة وبيوت مفتوحة

من مفارقات الانتفاضة الأولى أنْ وَسَمت الصّباحات التي لم تكن تبدأ بصوت ارتفاع حديد واجهات المحالّ التّجاريّة في بعض الأحيان أغزرَ الأيّام إنتاجيّةً. فـفي بعض الأحيان، شكّل "التّوقف" عن فعل ما أشدَّ الأساليب النّضاليّة مبادرةً وفاعليّة.

لم تكن أشكال العصيان المدنيّ وليدةَ الانتفاضة، فقد شكّلت الإضرابات منذ عقود مظهرًا عفويًا من مظاهر الحداد على الشّهداء، ثم صارت شكلًا من أشكال المقاومة الشّعبيّة، إعلانًا عن موقف سياسيّ أو مطلبيّ تنظّمه القيادة عبر بياناتها، ظلّ استخدامه يتعاظم منذ عام 1967، ليتحوّل في السّبعينيات إلى سلاح التّحدّي الأول، ويصبح همُّ سلطات الاحتلال فتحَ المحلات التّجاريّة بالقوّة عند الإضراب، وإقفالها خلال ساعات العمل التي تحدّدها المقاومة.

مُورسَ الإضراب خلال الانتفاضة على صُعُدٍ عدّة، إذ تنوّع من ناحية الحجم والمنطقة ومجال الأعمال، ليشمل العمّال والمواصلات والمؤسّسات التعليميّة. ومشى يدًا بيد مع دعوات الاكتفاء الذّاتيّ والمقاطعة وأشكال العصيان المدنيّ كرفض الأوامر الإسرائيليّة وتسليم الهُويّات وعدم دفع الضّرائب.

كانت للمبادرات الفرديّة والجماعيّة أهميّة قصوى في توجيه هذه المقاومة الاقتصاديّة والحثّ عليها في مواجهة الإجراءات والقوانين الإسرائيليّة واقتراح البدائل والحلول. لكنّ القيادة الوطنيّة الموحّدة ساهمت إلى حدّ بعيد عبر نداءاتها المتتالية في سياسة تلك المقاومة.

فقد وجّه النّداء رقم (2) الصّادر في 10 كانون الثّاني 1988 الدّعوة إلى العمال لمقاطعة العمل أيّام الإضراب، وإلى أصحاب المحلات التّجاريّة للالتزام بالإضراب، وصار وقف مصادرة الأراضي ووقف الضّريبة الإضافيّة من شعارات الانتفاضة الأساسيّة.

أمّا النّداء رقم (3) الذي تلاه في الشّهر ذاته فوجّه تحيّةً لأصحاب المحلّات التّجاريّة، وحثّهم على مواصلة تشكيل اللجان الخاصّة بالتّجار في كلّ مدينة وحيّ وشارع من أجل صياغة موقفٍ وطنيّ جماعيّ لرفض دفع الضّريبة الإضافيّة، ودَفَعَ النداءُ العمالَ للاستمرار بوقف العمل في المرافق الإسرائيليّة لإيقاع أكبر خسائر في اقتصاد العدوّ، وناشد النّداء القطاعات الأخرى الدوائيّة والرأسماليّة الوطنيّة والمقتدرين للتبرّع لمواجهة إجراءات الاحتلال.

وحث النّداء رقم (6) بتاريخ 2 شباط 1988 على الاستمرار بما سبق من توجيهات والامتناع عن دفع الغرامات وتخفيف العبء على المستأجرين بتأخير مواعيد استيفاء الإيجارات، وتشجيع الاقتصاد الوطنيّ ومقاطعة البضائع الاسرائيليّة.

جنود الاحتلال في مخيم الدهيشة 1988

تدرجت هذه النّداءات من الحثّ إلى المطالبة إلى التّحريم، بسحب حسابات التّوفير من البنوك الإسرائيليّة وتحسين ظروف العمال واحتساب أيّام الإضراب من أيّام العمل، ولوحظ الانخفاض الهائل في معدّل الجباية الإسرائيليّة، مع تقلّص الاستهلاك والمقاطعة ونقص مبيعات السّلع المحلّيّة الكماليّة وصعود ظاهرة التّخزين والتّصنيع الغذائيّ البيتيّ، إضافة إلى استقالة موظفي الضّرائب ومهاجمة الجماهير لأفراد طواقم الجباية. وبشكل غير مباشر، ساهمت الإجراءات العقابيّة الاحتلاليّة ومنع التّجول وقطع الطّرق ومحاربة الزّراعة المحلّيّة في جعل الضّريبة المضافة ضئيلة.1

ولقد كان لتجار المدن، ولا سيما أصحاب المتاجر الصّغيرة، دور حاسم في تعزيز الإضراب التّجاريّ، وقيادة التمرّد على الضّرائب، ومقاطعة الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة. وقد كان انخراط المتاجر المنسَّق مع القيادة الوطنيّة الموحَّدةً حاسمًا في تحديد الوتيرة اليوميَّة المطَّردة للعصيان، وفي تحدّي قدرة الجيش الإسرائيليّ على فرض رؤيته الخاصّة لـ"الحياة الطّبيعيّة" في شتَّى المناطق.

  • 1. شنار، "الأوضاع الاقتصادية"، ص 49.

ومع تذبذب مواجهات الشّوارع بين عامي 1990 و1989، ومع تناقص تأثير اللجان المحلّيّة في الضّواحي؛ ظلَّت الإضرابات التّجاريّة من أشدّ معالم العصيان ظهورًا.1

  • 1. تماري، سليم. "مخاطر الرتابة: العصيان المحدود والمجتمع المدني". مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 3، 1990، ص 6.

وتشكّل تجربة بلدة بيت ساحور في الانتفاضة نموذجًا شبه متكامل لإجراءات الانتفاضة الاقتصاديّة التي اتّبعها الفلسطينيّون في انتفاضة 1987. فإلى جانب العمل على تحقيق اكتفاء زراعيّ وإنتاجيّ، امتنع الأهالي في شباط 1988 عن دفع الضّرائب وكان الالتزام تامًا، ما دفع جيش الاحتلال بعد خمسة شهور إلى اتّخاذ إجراءات عقابيّة عبر فرض غرامات وفواتير مضاعفة على الأهالي.

وهذا ما قوبل بردّ غير متوقّع، رفض فيه الأهالي الدّفع وأعلنوا العصيان المدنيّ الكامل بجمع أكثر من ألف هويّة وتسليمها للحاكم العسكريّ للمنطقة، لتستمرّ حملة رفض دفع الضّرائب لأكثر من سنة، وتعود سلطات الاحتلال مرّة أخرى في أيلول 1989 لمحاولة فرض الدّفع وكسر العصيان المدنيّ.

ويروي غسان أنضوني، في شهادة لمركز المعلومات الفلسطيني في 31 -09- 1989، القصة بالقول:

"منذ 19 أيلول 1989 وبيت ساحور محاصرة بمئات القوّات الإسرائيليّة. تم إنشاء مجمّع عسكري جديد بالقرب من حقل الرّعاة لعمليات الاستجواب والتّنفيذ السّريع للأوامر العسكريّة، وأصبح ما بدأ بصفته حملةً لفرض دفع الضّرائب حملة ًعسكريّة واسعة النّطاق ضدّ سكان بيت ساحور، وهادفةً إلى تدمير اقتصاد المدينة وكسر العظام، وحتّى اعتقال الأطفال، ونهب المحلات والمصانع. وكانت السّلطات غير قادرة على إجبار أيّ مواطن على التّفاوض معهم، أو حتّى دفع مبالغ تافهة لاستعادة ممتلكاتهم. انتقلت الحملة من المحلّات التّجارية إلى المنازل، وفي بعض الحالات استولوا على  محتويات المنازل بالكامل تقريبًا، ووضعوها في شاحنات، وأخذوها إلى مكان البيع بالمزاد العلني…  وقُطعت خطوط الهاتف، ومُنعت الصّحافة من الدّخول، وخلال 42 يومًا اعتُقل المئات من السكان واستُخدموا رهائنَ في مقابل دفع الضّرائب".

ويروي إلياس رشماوي، أحد الأشخاص الذين شاركوا في الامتناع عن دفع الضرائب، إنّ اللجان الزراعيّة اهتمّت بزراعة الخضراوات التي تحتاج البلدة إليها في كلّ قطعة أرض حول كلّ منزل، وبتربية الأرانب والدّجاج لتأمين اللحوم حتّى في ظلّ حظر التّجوّل.

"كان الجنود يصابون بالهستيريا عندما يشمّون رائحة اللحم المشوي في جميع أنحاء بلدة بيت ساحور أثناء الحصار ومنع التجول"، يقول رشماوي.

ثم بدأت الحملة العسكريّة الأطول والأصعب من أجل فرض الضّرائب في أيلول 1989. فكانت البلدة بأكملها تحت الحصار، وأُغلقت جميع مداخلها، وقُطعت خطوط الهاتف، ومُنع دخول الإمدادات الغذائيّة والطّبّيّة إليها، لتعلن اللجان الشّعبيّة واللجان المهنيّة، بالتعاون مع اللجان في المناطق المحيطة، حالة التأهب للبدء بعملها ليلًا ونهارًا.

"في أحد المنازل، بعد أن أوشكوا على المغادرة، سمعوا امرأة تصرخ طالبةً منهم الانتظار،" يقول رشماوي.

"ارتسمت الابتسامة على وجوههم وقالوا لأنفسهم أخيرًا  قرر أحدهم الدّفع، ولكنهم كانوا غاضبين جدًا عندما قامت تلك السيدة برمي جهاز التّحكّم عن بعد وقالت لهم: انسوا ما جئتم لأجله".1

  • 1. قمصية، مازن. المقاومة الشعبية في فلسطين. رام الله: مواطن: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2011، ص 211.