كيف تجعل الأرض جهنمًا

كيف تجعل الأرض جهنمًا

كيف تجعل الأرض جهنمًا
الحماية الشعبية في الانتفاضة الاولى

جرت المشاهدة على سطح البيت. تنطلق الإشارة الأولى. يركض الصّبيّ إلى المسجد، يدخل وينقل إلى الإمام رسالة. يعدو الإمام على درج المئذنة، يمسك السّماعة، وينادي.

تُلتقط الإشارة الثّانية. فليستعد مطلوب الأمس. زوّادته جاهزة وطريقه إلى المغارة يحفظها جيدًا. المهم أن يكسب له الشّباب بعضَ الوقت.

يصل "الجيب" إلى مدخل القرية، فيلاقيه إطارٌ مشتعل. يبتسم الجنديّ السّائق بارتياح، يبطئ حركته ويلتفّ حولها. وعند النّقطة الأبعد يسارًا من منحناه، يفقد السّيطرة. يحاول الانعطاف يمينًا بأسرع ما يستطيع، ليجد صفًا من البطاطا الملغّمة بالمسامير. لا مفر من التّوقف هذه المرّة.

تنساب هذه العملية بسلاسة عالية، فكلّ من في القرية يعرف دوره جيّدًا ويؤديه بلا تردّد. الكلّ أسنان في التّرس، والتّرس يدور ليحمي الانتفاضة الوليدة.

حين اندلعت الانتفاضة الأولى، كانت روح الاستعادة طاغية. لم يعد هناك من يسيّر الأمور بغير إرادة الأهالي. لم يعد غداء اليوم محكومًا بما سمح به الاحتلال من منتجات. ولم يعد بمقدور المركبات العسكريّة الدّخولَ والخروجَ أنّى شاءت. لقد عادت القرى لأهلها، ومعها عادت مسؤولية الحماية والدّفاع. لعلّ هذا هو الوجه الملموس للحرّيّة: حين تشعر جماعة من النّاس بالنّدّيّة؛ بتملك المصير، يتولّد الإحساس بالمسؤوليّة، وتتولد معه الحاجة لإبداع الوسائل.

كان منع جيش الاحتلال من الاقتحام لفضّ المظاهرات أو للاعتقال، أو إعاقته وتأخيره، أحدَ أهمّ أشكال الحماية. فقد تحوّلت المآذن والأبراج إلى أنظمة إنذار، تنبّه الأهالي من تحرّكات الاحتلال وتبلّغهم بقرب اقتحامه.1

  • 1. الصايغ، يزيد. "الانتفاضة تعزّز سماتها العسكرية". شؤون فلسطينية، العدد 181، بيروت: مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، 1988، ص 123.
اعلام فلسطينية فوق الجامع في بيت ساحور1989
انتفاضة الحجارة

ومن هناك، تبرز عدّة أساليب جسّدت استعادة الشّارع بحقّ، وإشعاله تحت أقدام الجنود. إذ كان الإسفلت كثيرًا ما يتحوّل إلى سريرٍ لحطام الزّجاج والمسامير المنثورة وبقع الزّيت، التي تعمل إمّا على زلق مركبات الجيش أو ثقب عجلاتها.1 أُدخلت إلى قاموس الانتفاضة أيضًا "بطاطا المسامير"، وهي حبّات بطاطا غُرزت فيها مسامير حديدية، و"حجارة المولوتوف" وهي حجارة ملفوفة بخرق مبلّلة بالكاز أو البنزين.2

محاولات الإعاقة هذه استمرت بالتّطور لتنتجَ تسلسلاتٍ تجمعُ عددًا من هذه الأساليب. إذ كان المتظاهرون يضعون إطارًا مشتعلًا بعد منعطفٍ خطير، ثمّ على بعد عدّة أمتار يسكبون بقعًا من الزّيت. وحين يحاول الجنديّ السّائق تفادي الإطار يضطر للعبور فوق الزّيت، لتنزلق مركبته وتسير على حبّات البطاطا. أمّا إذا كانت المركبة مجنزرة، ففرش البطّانيّات على الشّارع كان حلّها، إذ تلتفُّ البطانيّة على الجنزير فتضطر الدّبابّة للتّوقّف.3

  • 1. شيف، زئيف و يعاري، اهود. انتفاضة. ترجمة من العبرية: دافيد سيجف. القدس وتل أبيب: دار شوكن للنشر، 1990، ص 119.
  • 2. الصايغ، يزيد. "الانتفاضة". شؤون فلسطينية، ص 124.
  • 3. حبوش، إسلام سليمان. المقاومة الشعبية خلال الانتفاضة الأولى في قطاع غزة ما بين عامي (1987 – 1994 م). اشراف الدكتور نهاد محمد الشيخ خليل. غزة: الجامعة الإسلامية، 2015، ص 42.

كانت هذه الرّحلات المريرة للمركبات في كلّ اقتحامٍ تدفعُ جيشَ الاحتلال أحيانًا إلى إعادة احتلال القرية بأكملها أملًا في السّيطرة على التّحركات داخلها، لكنّ ذلك لم يكن بالأمر اليسير. فالأساليب الدّفاعيّة التي كان الفلسطينيّون يتبنّونها لم تكن مجرد ردود فعل على الاقتحامات أو استجابات لخطرها، فالأهالي كانوا دومًا من يختار مكان الصّدام وموعده، وحين يبدأ، يواجهونه باستعداد.1

بطبيعة الحال، فالانخراط الواسع في المقاومة الشّعبيّة خلق الحاجة لأدواتٍ مقاومةٍ سهلة التّوفير. لذا، شاع استخدام النّبال والمقاليع، ورمي الكرات الحديديّة2، وعاد القوس والسهم للاستخدام ضدّ المستوطنين القاطنين وسط الخليل3، بل بلغ الأمرُ حدّ خلق مسدّسات بدائيّة، تكوّنت من أنبوب معدنيّ يحتوي على طلقة واحدة.4


 

  • 1. شيف، زئيف و يعاري، اهود. انتفاضة، ص 119.
  • 2. ي. ص. "الانتفاضة المقاتلة". شؤون فلسطينية. العدد 179، بيروت: مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، 1988، ص 114
  • 3. المحررين. "يوميات: موجز الوقائع الفلسطينية من 16/5/1989 الى 15/6/1989". شؤون فلسطينية. العدد 196، بيروت: مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، 1989، ص 159.
  • 4. الصايغ، يزيد. "الانتفاضة". شؤون فلسطينية، ص 124.

ولادة مجتمعيّة جديدة

حين يغني رفاق الشهيد في زفّته الأخيرة "يا أمّ الشهيد وزغردي، كلّ الشّباب ولادكِ"، فالأمر يعدو كونه وعدًا من طرفٍ واحد. فهذه الأمومة التي تتتعدّى الدّم هي أيضًا وعد الفلسطينيّات لرفاق أبنائها. "هذا ابني"، تصيح إحداهن متشبثة به، فيدرك الجنود أن اعتقاله سيكون أصعب مما تخيلوا.

كان ذلك أحد مداخل النساء الفلسطينيات إلى شرعيّة كفاحية تضعهن في قلب تجارب الانتفاضة الأولى، وتهمّش الأصوات المطالبة بانكفائهنّ. فقد فتحت الانتفاضة للفلسطينيّات مساحات في منظومة الدّفاع والمواجهة التي خلقتها، بعيدًا عن الأدوار التقليديّة "المسموح" لهنّ بتولّيها.

 

وعلى مستوىً يوميّ، كان انخراط النّساء مباشرًا، إذ استشهدت حتى آذار/ مارس 1988 تسعةَ عشرَ فلسطينيّةً، وغير مباشر عبر العمل على حماية الحيّز الفلسطينيّ العامّ من خلال خلق خطوط إمداد تنقل للمتظاهرين الحجارة والزّجاجات الفارغة إلى المواقع الأماميّة.1

اقتصاديًا، برزت أدوارٌ جديدة للنّساء حولتهنّ إلى عناصر منتجة، ذات هدف نضاليّ وتكافليّ في النّهاية. فقد عمد بعضهنّ إلى صناعة المنتجات الحرفيّة وبيعها لرصد ريعها لصالح المحتاجين، وإلى تحويل بعض الحدائق إلى مزارع تنتج الخضار للدّفع نحو الأمن الغذائيّ مع مقاطعة المنتجات الإسرائيليّة، ومقاومة الحصار الاقتصاديّ.2 كما شاركت اللجان النّسائيّة في إرشاد ربات البيوت في التّوفير، ورعاية عائلات الشّهداء والجرحى والأسرى، إضافة لجمع التّبرّعات والمواد الاستهلاكيّة للمعوزين، وتجميع وحدات دم.3

لم تقتصر التّغيّرات في القيم والتّصورات الاجتماعيّة على أدوار النساء، إذ وُضعت الكثير من الأعراف جانبًا خلال الانتفاضة انسجامًا مع الواقع الجديد.

ففي ذروة الانتفاضة، شرع عبد العزيز أبو هدبا بدراسة تأثير الانتفاضة على العادات والتقاليد الفلسطينيّة في الأفراح والأتراح في خمسة عشر موقعًا فلسطينيًا في الضّفة الغربيّة، ليجد هدبا أنّ تكاليفَ المهر انخفضت في سبع مناطق إلى 50٪، وفي مكانيين إلى 30٪. كما أُلغيت زفة العريس وسهرة العروس، وأجريت كلّ الأعراس بلا دبكة أو حدّاء أو زجل.4

  • 1. البرغوثي، عبد اللطيف. الأدب الشعبي في ظل الانتفاضة. الطيبة: مركز احياء التراث العربي، 1990، ص 113.
  • 2. المدهون، ربعي. الانتفاضة الفلسطينية: الهيكل التنظيمي وأساليب العمل. مؤسسة الثقافة الفلسطينية، دار الأسوار، 1989، ص 42
  • 3. شيف، زئيف و يعاري، اهود. انتفاضة، ص 293.
  • 4. أبو هدبا، عبد العزيز. "تأثير الانتفاضة على عاداتنا وتقاليدنا (في الأفراح والأتراح)". مجلة التراث والمجتمع. البيرة: جمعية انعاش الأسرة، 1990، ص 83.

لا يدخل مجتمعٌ انتفاضةً ويخرج منها كما كان. فحتى يتحقّق الانصهار المجتمعيّ الكفيل بخلق حاضنةٍ للمقاومة ودافع ٍللتّضحية، كان لا بدّ من انزياحٍ في القيم الاجتماعيّة، يمنح كلّ فرد مكانه في منظومة الحماية والمواجهة.


 

حقول الانتصار

قد توحي قصص الانتفاضة الأولى وصورها وأغانيها بسحريّةٍ ما؛ تلك السّحريّة التي تحوّل جماعةً من الجيران إلى فردٍ واحد، يفكّر ويتحرّك ويدافع ويقاتل بتنسيق شفافٍّ تامّ. لكن أيامًا وليالٍ من العمل تكمن وراء هذه السّحريّة، فمن أجل أن تعمل القرية بجسد واحد، فعلى هذا الجسد، قبل أي شيء، أن يأكل.

الحاجة الماسّة لبناء اكتفاء ذاتيّ، بالدّرجة الأولى من الغذاء، لكن من منتجات أخرى كذلك، كانت نتيجةً لمساعي المقاطعة من جهة، والإغلاقات الإسرائيليّة من جهة أخرى. فالنّسبة التي تبلغ 45٪ من الأيدي الفلسطينيّة العاملة التي استوعبها الاقتصاد الإسرائيليّ والتي أضحت عشيّة الانتفاضة بلا عمل كانت بحاجةٍ لبديل، والاقتصاد الفلسطينيّ الهشّ لم يكن بشكله آنذاك قادرًا على توفير هذا البديل، لتنخفض مستويات الدّخل بنسبة بما يقارب 35٪، ويكاد إنتاج الكماليّات أو استهلاكها يصبح خروجًا عن الصّفّ الوطنيّ.1

  • 1. العبد، جورج. "المجتمع المدني في ظل الانتفاضة: المقاومة الشعبية والحركة الوطنية الفلسطينية". مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد الثاني، العدد 5، 1991، ص 10.

التحوّل من اقتصاد هشّ إلى الاكتفاء الذّاتيّ لا يحدث بين ليلة وضحاها. لكن مع استمرار رفع التّنسيق بين المتطلّبات السّياسيّة والاقتصاديّة، بدأت الأولويات تترتب على نحو أوضح، يسمح بالتّركيز على إنتاج ما يلزم. فتضاعف إنتاج الحبوب ثلاث مرّات بين عامي 1978 و1989، كما ازدادت وتيرة زراعة شجر الزّيتون. وللمرّة الأولى، وصلت المناطق المحتلة درجةَ الاكتفاء الذاتي من الإنتاج الحيوانيّ، خاصّة من اللحوم البيضاء، التي ارتفع إنتاجها بنسبة 250٪، كما ارتفع إنتاج البيض بنسبة٧٠٪، واللحم الأحمر بنسبة 8٪، والحليب والألبان بنسبة 70٪.1

سياسيًا، تجاوبت القيادة مع هذه المتطلّبات بالسّماح للمصانع بخرق الإضراب والعمل لسدّ الثّغرات الغذائيّة. فشهدت صناعة بعض الأغذية نموًا سريعًا، كعصير الفاكهة، والخضراوات، والفاكهة واللحوم المعلّبة، والوجبات السّريعة، والزّيوت النّباتيّة، والأثاث، والمنتجات الجلديّة، والنّسيج، والتّبغ، والأدوية الطّبّيّة، وبرامج الكمبيوتر.2

بطبيعة الحال، احتاجت هذه الصّناعات نهوضًا زراعيًا يؤمّن موادّها الأوّليّة، ومن أجل تنسيق هذا النّهوض تشكّلت اللجان الزّراعيّة. شجّعت هذه اللجان على زراعة الأراضي المهملة والمتروكة، ففي بيت ساحور مثلًا، أقيمت لجنة بمبادرة من جامعة بيت لحم وأنشئ مركز لبيع الشّتائل والبذور والأسمدة بأسعار مخفضة. كما قدّم أهالي البلدة إرشادات حول كيفيّة زراعة ساحات المنزل وترشيدها. ومع تصاعد تربية الأرانب، تدرّب حدّادون محلّيّون على صناعة أقفاصٍ حديديّةٍ رخيصة الثّمن. كما قُدّمت إرشادات لتحويل الثّلاجات القديمة التي لم تعد صالحةً للاستعمال إلى محاضن لتربية الفراخ بالاستعانة بمحوّل كهربائيّ وبطّاريّة سيّارات. هكذا تحوّل الاقتصاد المنزليّ إلى شعار شعبيّ، والحقول البيتيّة المزروعة إلى "حقول انتصار".

ومن بيت ساحور كذلك خرجت قصّة البقرات الثّمانية عشرة الشّهيرة، اللواتي هُرّبنَ من الدّاخل الفلسطينيّ من أجل تعزيز صمود الأهالي هناك وتوفير الحليب المحليّ والتّخلّي عن الإسرائيليّ. حيث هُرّبن من بيت إلى بيت ووُزّعن في عدّة منازل، تجنبًا لمصادرة الاحتلال لهنّ، بعدها ظللنَ شغل الاحتلال الشّاغلِ لأشهرٍ.

  • 1. المصدر السابق، ص 10-13.
  • 2. المصدر السابق، ص 10-13.

 كان دور لجان الإغاثة الزّراعيّة هامًا في هذا التّحول، فهذه اللجان المتكوّنة من مزارعين ومهندسين زراعيّين انبثقوا من الحركة التّطوعيّة السّابقة للانتفاضة، سرعان ما تحوّلت بفعل متطلّبات المرحلة إلى مؤسّسة تسعى للتّصدّي لما تصفه بالسّياسة الإسرائيليّة في منع الفلسطينيّين من هذا التّطوير الزّراعي. بالتالي، أخذ هؤلاء المهندسون والمزارعون المبادرة وتحولوا لمؤّسسة نشطت تطوعيًا منذ 1983، في محاولة لحماية الأراضي من المصادرة عبر زراعتها وإعادة استخدامها، وتزويد المزارعين الفلسطينيّين بالإرشاد الفنّيّ المتخصّص.

مع مساهمة لجان الإغاثة الزّراعيّة وغيرها من الجمعيّات والمؤسّسات الفلسطينيّة في دعم القطاع الزّراعي، ارتفعت مساحات الحقول الزّراعيّة في قطاع غزة من 13 ألف دونم عام 1980، إلى 21 ألف دونم عام 1988. كما زادت الزّراعة المحلّيّة بنسبة 13٪. ساعد هذا التّطور لجان الإغاثة على توفير قروض لإقامة مشاريع لصالح البيّارات، وتقديم تعويضات جزئيّة بلغت 200 دولار لكلّ مزارع.1

  • 1. حبوش، إسلام سليمان. المقاومة الشعبية خلال الانتفاضة، ص 157-158.