صبّ الرّعب

صبّ الرّعب

صبّ الرّعب
كيف جعلت المجازر النّكبة ممكنة

ما الرّائحة الأولى التي تخطر بالبال حين يفكّر المرء بطفولته؟ حلوى مخبوزة في الفرنِ مساءَ يومٍ ممطر؟ زهرة صفراء التُقطت في أوّل هديّة حبّ من حديقة المدرسة؟ أم هي ببساطة تلك الرّائحة الفريدة التي لا يمكن لطفلٍ أن يصفها رغم أنه يعرفها من قبل ولادته؛ رائحة الأم؟ لربما كانت لرحمة إبراهيم الحاج مثل هذه الذّكريات قبل سنّ السّابعة، لكنّ رائحة واحدة حلّت بعدها مكان ذلك كلّه، لتظلّ مقيمة طيلة حياتها: رائحة جثث أبناء وبنات قريتها المتفحّمة وسط حقل محصود، في أحد ليالي تمّوز 1948.

لعلّ خلق هذه الصّدمة، واستبدال الذّكريات العاديّة بأخرى تكاد تبدو بنت خيالٍ مريض، هو أحد أهمّ وجوه النّكبة. فالنّكبة لم تكن فعلًا لحظيًا، بل حصيلة مشروع سياسيّ ارتبط بفترة طويلة من العمل من أجل إحلال شعبٍ مكان آخر، لكنّ السّياسة لم تكن وحدها الوسيلة لتحقيق ذلك. كان لا بدّ من أهوال تدمغ ذاكرة الفلسطينيّين بالدّم.

كانت المجازر سببًا في تهجير الآلاف وقتلهم والتّنكيل بهم واستملاك أراضيهم، ولعبت دورًا رئيسًا في خطّة التّخويف الممنهجة التي قادتها الحركات الصّهيونيّة من أجل استملاك الأراضي الفلسطينيّة التي لم تكن تملك منها سوى 7% في عام 1947، ليرتفع ذلك الرّقم إلى 78% بعد عام من الطّرد والتّهجير. هجّرت المجازر 805067 فلسطينيًا وهدمت 531 قرية ومدينة، وقتلت 16721 محاربًا فلسطينيًّا وعربيًّا، هؤلاء ممن عُرفت أسماؤهم وأعدادهم أو مواقع استشهادهم وتواريخها.1 لم يُحدّد عدد المجازر بشكل قاطع حتّى الآن، لكنّ الموثق منها في المصّادر الفلسطينيّة والأرشيف الصّهيونيّ يتراوح ما بين 35 و110 مجازر.2 وما تحفظه الذّاكرة الشّعبيّة أكبر بكثير من مجرّد رقم.

  • 1. العارف، عارف. النكبة والفردوس المفقود، الجزء السادس، الطبعة الاولى. كفر قرع: دار الهدى، 1958، ص 9.
  • 2. ابو ستة، سلمان. دراسة فلسطين وحقوق الاراضي المغتصبة، http://www.plands.org/arabic_article/index.htm
أنقاض حي المصرارة

حريق في حقل محصود

لم تعرف رحمة في حياتها التي لم تكن قد تجاوزت سبعة سنوات، من العالم سوى قريتها، الطّيرة، التي لم يكن عدد سكانها آنذاك يتجاوز 6000 نسمة. ورغم أنّ الطّيرة لم تكن مكانًا تحدث فيه أشياء كثيرة، إلّا أنّ ما شهدته رحمة فيها يوم 19 تموز 1948 كان كفيلًا بجعلها مسرحًا لأهم أحداث حياتها وحياة كثيرين غيرها.

في الأشهر التي سبقت ذلك اليوم، كانت رحمة تسمع الكبار يتكلّمون عن عدد القوّات الصّهيونيّة، 50 ألفًا هو رقم تسمعه رحمة للمرّة الأولى، مقاتلون مسلّحون يساندهم سلاح الجوّ وسلاح البحريّة ووحدات الدّبّابات والمدفعيّة. كان يقابلهم 7000 مقاتلٍ فلسطينيّ في مجموعات شبه نظاميّة، إضافة إلى 3000 آلاف متطوّع عربيّ، وعشرات المتطوّعين الألمان والأتراك والباكستانيين واليوغسلاف والأفارقة، وعدد قليل من الإنجليز.

كانت النّساء تتحدث عن مجازر تحدث في قرىً مجاورة كأنهنّ يتحدّثن عن الفضاء الخارجيّ، نساءٌ تغتصب، أولادٌ يُنحرون، حوامل يُجهِضن ورجال يُصفّون في صفوف ويُقتلون بالرّصاص. كلّ ذلك كان كلامًا، إلى أن جاء دور الطّيرة، ليصبح كلُّ ما قيل فجأةً أمرًا قابلًا للتحقّق فعلًا.

ركضت رحمة حين رأت مجموعات من الهاغاناه وهي توزّع منشورات تهدّد أهالي القرى وتحذّرهم من التّعاون مع جيش الإنقاذ، وقبل أن تلتقط أنفاسها هي وعائلتها وجيرانهم من هلع المنشورات، اجتاحت جماعة من القوّات الخاصّة من المستعربين القرية بحثًا عن المتطوّعين. كانت تلك العمليات تُدعى "الاستطلاع العنيف"، وكان الهدف منها دخول القرى غير المسلحة وغير المحصنة مع بداية الليل والبقاء فيها بضعة ساعات، وقتل كلّ من يخرج من بيته. وبعد أيام قليلة، بدأ قتال أخرج فيه رجال القرية أسلحتهم المخبّأة في سدّات المنازل والآبار، ليشحن رصيد القرية بشهري صمود.

في السّادس عشر من تمّوز، دخل اليهود القرية. كان قد استشهد 13 شابًا حتّى تلك اللّحظة. انسحب بعض المقاتلين إلى خارج القرية بينما اقتيد من بقي من الرّجال، وعددهم 30، إلى وُجهةٍ مجهولة، تبيّن لاحقًا أنّها سجن عكا. جمع الجنود من بقي من أهل القرية واختاروا 300 رجل وامرأة ووضعوهم في 20 باصًا واقتادوهم إلى منطقة اللجّون، ورافقتهم مجموعة من الحرّاس اليهود بمدافعهم الرّشاشة في كلّ باص، وحين وصلوا قرب خطوط القوّات العراقيّة، طردوهم باتّجاه المنطقة العربيّة بعد أن أطلقوا خلفهم زخّات من الرّصاص.

في التّاسع عشر من تمّوز، الذي وافق يوم الخامس والعشرين من رمضان، أحصى من تبقى في القرية خسائرهم، وعرفوا أنّ أيامهم هنا باتت معدودة. حملوا ما استطاعوا حمله، ووضعوا بعض الملابس في صُرر، بينما خبّأت النّساء كواشين البيوت وشهادات الميلاد والدّنانير القليلة في صدورهن. عاد اليهود إلى القرية التي لم يبق فيها سوى 60-80 شخصًا من العجزة وكبار السّن الذين كان بعضهم ضريرًا. بعدها حدثت الأمور بسرعة.

قالوا: ساع ساع، يلا يلا.

صعد الجميع حافلاتٍ تحت حراسة يهوديّة من 10-15 شخصًا، ووصلوا إلى منطقة شرق اللجّون حوالي السّاعة الثّامنة مساءً. وقفت الحافلات على طريق العفّولة، قرب بعض البيوت الجديدة التي هدم بعضها حديثًا، وأُمر أهالي قرية الطّيرة بالنّزول وهم يحملون صررهم بين أيديهم. جلسوا في دائرة تبعد قرابة 200 متر عن الطّريق العام في حقل قمح محصود حديثًا. قالوا لهم إنّهم قريبون من الخطوط العربيّة. سلّم الحراس الأهالي إلى حراس آخرين من مستعمرة قريبة، تبين لاحقًا أنّهم ليسوا سوى مستوطنين يهود احتلوا مركز الشّرطة، ووضعوا قبّعات تماثل قبّعات رجال الشّرطة. اشتدّ العطش بالأهالي بعد يوم طويل من السّفر في رمضان، فطلبوا ماءً للشّرب، وبعد انتظار طويل عاد المستوطنون بغالونات مليئة بشيء يشبه الماء، صبّوه فوق رؤوس الأهالي الجالسين على صررهم فوق العشب الجاف. اشتمّت رحمة رائحة البنزين، وركضت.

أشعل الحرس النّيران وتركوا الأهالي يحترقون بها، مطلقين النّار على من يحاول الهرب.3

  • 3. ابو ستة، سلمان. دراسة فلسطين وحقوق الاراضي المغتصبة.
تقول رحمة إبراهيم الحاج في شهادتها: "جريت واختبأت تحت صخرة حتّى الصّباح، كنت أرى النّار مشتعلة والنّاس يصرخون ويستغيثون. في الصّباح ذهبت إلى مكان المحرقة، وعندما وقع بصري على الجثث المتفحّمة، استبدّ بي الرّعب، فلم أبق لحظة واحدة لإحصائها، وجريت إلى أن وصلت إلى قرية زلفة، هناك وقعت على الأرض من الرّعب والتّعب واعتنى بي أهالي القرية ثم أخذوني إلى جنين".

ليس من المعلوم تمامًا كم نجا من تلك المحرقة لأنّ الأحياء تفرّقوا ولجأوا إلى مخيّمات نابلس وإربد ودمشق وصيدا. تمكّن مراقبو الأمم المتحدة من تسجيل شهادة عشرة أشخاص من أصل 15 يُعتقد أنّهم نجوا منها. أمّا الذين أحرقوا أحياء فيصل عددهم إلى 55 كحد أقصى.1

  • 1. ابو ستة، سلمان. حق العودة. غزة: المركز القومي للدراسات والتوثيق، 1999.

ملائكة الموت

لم تكن رحمة وحدها من رحلت عن قريتها، ولا كانت وحدها من تتذكّر ذلك كأنّه حدث بالأمس، فوزي الذي يسكن الآن مدينة طولكرم يتذكّر أيضًا جيدًا ما حدث في قرية الطّنطورة؛ مسقط رأسه. 

عام 1945، كان فوزي محمود طنجي أحد أطفال الطّنطورة التي عاش فيها ما يزيد عن 1490 امرأة ورجلًا وطفلًا وطفلة. شهدت القرية حياة عامرة بموجب إطلالها على البحر المتوسّط، فهي مرفأ مهم وتعيش على الزّراعة والصّيد. شاع اعتقاد أنّ السلاح يصل من خلالها إلى الثّوّار، ويعتقد المؤرّخون أنّ سقوطها بعد شهر واحد من إعلان قيام دولة الكيان الصّهيونيّ كان سببًا رئيسًا في سقوط القرى المحيطة بها. كان ذلك في يومي 22 و23 أيار، حين هاجمت كتيبة الهاغاناه الثّالثة والثّلاثون القرية.

منذ اللحظة الأولى، بدا أنّ تطهيرًا عرقيًا يحدث في المكان.1 هاجمت العصابات الصّهيونيّة القرية من جهاتها الأربعة دون أن تترك جهة ليهرب منها السّكان كما كان يحصل في الهجوم على القرى الأخرى.2 لوحق السّكان وجُمعوا على الشّاطئ ثمّ في مقبرة القرية، حيث نُفّذت الإعدامات على مرأى الجميع. اختلفت الشّهادات والأبحاث في تحديد عدد الشّهداء في مجزرة الطّنطورة التي نفّذها جيش نظاميٌّ على خلاف المجازر الأخرى، لكن مما يطبع في الذّاكرة أنّ الجنود أجبروا رجال القرية على حفر خندق كبير دفنوا فيه جثثهم المتلاصقة بعد ذلك. استنادًا إلى الشّهادات المتضاربة، يمكن تقدير عددهم بما يتراوح بين 90 و250 شهيدًا.

"جمعونا بالقرب من شاطئ البحر، الرّجال على حدة، والنّساء على حدة، الأولاد والشّبان الذين تبلغ أعمارهم فوق 12 عامًا وضعوا مع الرجال، بينما وضع الأصغر منهم سنًا مع الفتيات"، يقول فوزي. "بعد ذلك انتقوا سبعة إلى عشرة رجال، وأحضروهم إلى مكان قريب من مسجد القرية، وهناك أطلقوا عليهم النّار، ثم عادوا واقتادوا مجموعة أخرى، وهكذا، ليصل العدد في النّهاية إلى ما يقارب تسعين شخصًا".

  • 1. الخالدي، وليد. كي لا ننسى، الطبعة الثانية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998، ص 106 - 108.
  • 2. بابيه، ايلان. التطهير العرقي في فلسطين، الطبعة الاولى. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007، ص 145.
الطنطورة

تذهب زمرة من الجنود مع كلّ مجموعة، بينما ينتظر أهالي القرية وهم يشاهدون ما يجري. بعد ذلك، أخذوا من تبقى إلى مقبرة القرية، وأوقفوهم هناك، وهمّوا بإطلاق النّار على الجميع، لكنهم لم يفعلوا. بعد فترة، وصل قرابة خمسين إلى ستين شخصًا من سكان كيبوتس "زخرون يعقوب"، وفي اللحّظة التي رأوا فيها ما يحدث تدخّل عدد من كبار مسؤوليهم، وأوقفوا المذبحة قائلين: "كفى".

لقد بدا هؤلاء الرّجال، الذين لن أنسى وجوههم ما حييت، مثل ملائكة الموت، عندما وقفت هناك كنت واثقًا بأنّها اللّحظات الأخيرة في حياتي، وأنهم سيأخذونني أيضًا". ينفجر العجوز أبو خالد، البالغ من العمر 74 عامًا، بالبكاء، ويقول: "كان من الأفضل لو أنّني متُّ هناك دون أن أحمل معي هذه القصّة حتّى اليوم!"1

  • 1. مقابلة تلفزيونية مع تيودور كاتس على تلفزيون الجزيرة.

قبل شهر واحد ممّا حدث في الطّنطورة، وبعد أسبوعين من توقيع معاهدة سلام طلبها رؤساء المستوطنات اليهوديّة المجاورة ووافق عليها أهالي قرية دير ياسين، وبالتّحديد فجر 9 نيسان من عام 1948، دخلت قوات الأرغون القرية من شرقها وجنوبها، بينما دخلت قوات شتيرن من الشّمال، ليحاصروا دير ياسين من كلّ جانب عدا الطّريق الغربيّ، كان هدف تلك القوات مفاجأة أهالي القرية وهم نائمون. لكنّ الهجوم قوبل بمقاومة لم تعتد العصابات عليها، أوقعت منهم أربعة قتلى، بينما جُرح أربعون.

"لم يخُض المعتدون مثل تلك المعارك من قبل، لقد كان من الأيسر عليهم إلقاء القنابل وسط الأسواق المزدحمة على مهاجمة قرية تدافع عن نفسها، لذلك لم يستطيعوا التّقدم أمام هذا القتال العنيف".
يقول الكاتب الفرنسي باتريك ميرسييون في شهادته على الأحداث
أحداث من المسرد الزمني ذات صلة

لمواجهة هذا الصّمود الذي أبدته دير ياسين، استعان المهاجمون بقوات البالماخ المتواجدة في أحد المعسكرات بالقرب من القدس، والتي قامت من جانبها بقصف القرية بمدافع الهاون لتسهيل مهمتهم. مع حلول الظّهيرة أصبحت القرية خالية تمامًا من أيّ مقاومة، فقرّرت قوات الآرغون وشتيرن، كما يكمل ميرسييون في شهادته، استخدام الدّيناميت، وهكذا استولوا على القرية بعد تفجيرها بيتًا بيتًا.

وكما في مجزرة الطّنطورة، اختلف المؤرّخون على عدد ضحايا مجزرة دير ياسين، فالمصادر الفلسطينيّة تؤكد أنّ العدد تراوح بين 250 إلى 360 ضحية، بينما تذكر المصادر الغربيّة أن العدد لم يتجاوز 107 قتلى. الصّحفيون الذين تمكّنوا من تغطية مذبحة دير ياسين أجمعوا على أن عدد القتلى وصل إلى 254 من القرويّين، لكن الإجماع في مجزرة دير ياسين كان بالتّأكيد على أنّ التّعذيب والتّنكيل كانا غير مسبوقين، ربما لأن المقاومة التي لم تكن متوقعة من داخل القرية جعلت رجال ونساء الآرغون وشتيرن، كما يقول ميرسييون: "الذين كانوا شبابًا ذوي مُثُل عليا، يتحوّلون إلى "جزارين" يقتلون بقسوة وبرودة ونظام مثلما كان جنود قوّات النّازية يفعلون".

لم يكن القتل وحده ما جعل من مذبحة دير ياسين نقطة فاصلة في تاريخ النّكبة، فقد تعمّدت عصابات الآرغون الشّابة والمثقّفة إلى التّنكيل بالضّحايا وتشويههم، في ما تنوّع بين التّعذيب والاعتداء وبتر الأعضاء وذبح الحوامل بعد المراهنة على نوع الأجنّة، بينما أُلقي ب53 من رضيعًا حيًّا من القرية خلف سور القرية القديمة، واقتيد 25 رجالًا حيًّا في حافلات طافت بهم داخل القدس طواف النّصر على غرار الجيوش الرّومانية القديمة، ثمّ أعدموا رميًا بالرّصاص، وألقيت الجثث في بئر القرية، وأُغلق بابه بإحكام لإخفاء معالم الجريمة.1

  • 1. الخالدي، وليد. كي لا ننسى، ص 619 - 620.

تسميم عكا

لم تحدث المجازر بحقّ البشر وحسب، لقد حصلت بحقّ البيوت والأشجار والحيوانات. ولم تقتصر على القتل والتّنكيل، فهناك أساليب أخرى لحدوث المجزرة، كان تسميم عكا واحدًا منها.

بعد سقوط حيفا في 22 نيسان 1948، تدفّق آلاف اللّاجئين من حيفا إلى عكا، وازدحمت المدينة التي كانت لا تزال تحت الحماية البريطانيّة. حاصرت القوّات الصّهيونية المدينة في الأسبوع الأول من أيّار، وأطلقت عليها وابلًا من قنابل المورتر.

في ذلك الوقت، كانت مياه الشّرب تصل إلى المدينة من قناة تتدرّج من القرى الشّمالية قرب كابري التي تبعد 10 كم عن عكا، تُعرف القناة أيضًا باسم قناة الباشا. تعترض القناة في طريقها إلى عكا عدّة مستعمرات صهيونيّة، وفي واحدة من تلك النّقاط حقن الصّهاينة المياه بجرثومة التّيفوئيد، وسرعان ما انتشرت حمّى التيفوئيد بين الأهالي والجنود البريطانيّين. يقول طبيب الصّليب الأحمر دوميرون في تقرير له: "إنّ الوضع خطير، وتفشّي المرض شمل المدنيّين ورجال الجيش والشّرطة". وقال البريجادير بفردج، مدير الخدمات الطّبّيّة العسكريّة، إنّ هذه هي المرّة الأولى التي يحدث فيها هذا الوباء في فلسطين" (رغم حالات النّزوح والهلع بين السّكان في أنحاء فلسطين في تلك الفترة). لقد كان الخوف الأكبر أن ينتشر الوباء مع اللّاجئين المتّجهين إلى لبنان.

أشار الإحصاء الأوّليّ لأعداد المصابين إلى إصابة 70 مدنيًّا و55 بريطانيًّا، لكنّ الكثيرين من غيرهم كانوا يخشون التّبليغ عن إصابتهم بالمرض خوفًا من الاحتجاز. ويكفي أن نقول إنّ عدد سكان عكا انخفض في تلك الفترة من ٢٥ ألفًا إلى 8 آلاف (بسبب النّزوح)، الأمر الذي لا يختلف كثيرًا عما حصل في القرى التي حدثت فيها المجازر، لقد كان الهدف واحدًا، تهجير النّاس (نزوحًا أو قتلًا).1

غاب رئيس بلديّة عكا عن المدينة تلكَ الفترة، الأمر الذي كان سببًا رئيسًا في إضعاف الجهود لحصر الوباء، فرغم إلحاح الصّليب الأحمر، لم تتمكن البلدية من إصلاح قناة المياه "مصدر الوباء"، الأمر الذي ضاعف من نزوح الأهالي، ومنع عودتهم إلى بيوتهم خوفًا من الإصابة. لقد كان هدف الوباء الرّئيس "منع الأهالي من العودة إلى ديارهم"، وفي تلك الأثناء أيضًا، واستكمالًا للهجوم، كثّفت الهاجاناه من هجومها على المدينة بالمدافع وقذائف المورتر، وطافت سيّارات إسرائيلية تنادي بمكبرّات الصّوت: "أمامكم الاستسلام أو الانتحار، سنبيدكم حتّى آخر رجل".

وقّع بعض وجهاء المدينة على وثيقة الاستسلام، وسقطت عكا، ومع سقوطها، بدأ الإرهاب الصّهيونيّ يغزو المدينة، فاعتقل كلُّ شاب وشيخ، واعتبروا جميعًا أسرى حرب رغم كونهم من المدنيّين، وانتشرت عمليات النّهب في المدينة، وهامت النّساء والأطفال دون مأوى وطعام.

  • 1. بابيه، ايلان. التطهير العرقي في فلسطين.

يقول للفتنانت بيتيت، مراقب الهدنة الذي زار المدينة بعد سقوطها، في تقريره المفصّل: "إنّ عملية نهب منظّمة لمحتويات المنازل حصلت لمنع الأهالي من العودة، وإنّ مذبحة اقتُرفت سقط فيها 100 مدنيّ، خصوصًا من سكان المدينة الجديدة الذين رفضوا النّزوح إلى المدينة القديمة حسب الأوامر الإسرائيليّة"، ويذكر قصّة محمد فايز صوفي، أحد هؤلاء الذين رفضوا الانتقال. لقد نجا محمد بأعجوبة، ومات ثلاثة من زملائه بإرغامهم على شرب سمّ السّيانيد، ثم ألقيت جثثهم في البحر.1

عكا لم تكن الوحيدة، ولم يستخدم السمّ وحده لتفريغ الأرض من سكّانها، فالقارئ لِما أرّخه المؤرّخون والشّهود عن مجازر النّكبة يقف عند تسجيل العديد من حالات الاغتصاب، فقد استخدم الاغتصاب أيضًا كأداة لبثّ الرّعب بين السّكّان ودفعهم للخروج من بيوتهم وهجر أراضيهم. بينما يطلق اسم مسيرة الموت على من أُجبروا على الخروج من اللّد والرّملة، والذين قدّر عددهم بخمسين ألف رجل وامرأة، دُفعوا للمشي لأيام متواصلة في أكثر المناطق حرارة، بينما تساقط الكثيرون منهم في الطّريق قتلى من التّعب والعطش.2

  • 1. ابو ستة، سلمان. حق العودة.
  • 2. بابيه، ايلان. التطهير العرقي في فلسطين، ص 195 - 198.

هكذا فُرّغت الأرض من سكانها، وهكذا بدأت حكاية الهجرة والشّتات والنّكبة، وهكذا حفظ الفلسطينيّون بلادهم وقراهم وبيوتهم وذكرياتهم في صُررِهم وقلوبهم إلى الأبد.