حرب العصابات والإضراب الشّامل في ثورة 1936

حرب العصابات والإضراب الشّامل في ثورة 1936

حرب العصابات والإضراب الشّامل في ثورة 1936
الكفاح المسلح في ثورة 1936
أحداث من المسرد الزمني ذات صلة

15 نيسان 1936. على الطّريق بين نابلس وطولكرم. فرحان السّعدي وعدد من رفاقه يتربّصون لسيّارة صهيونيّة وبنادقهم في أيديهم. تُطلق النار؛ يُقتل أحد الصّهاينة، وتكون تلك الرّصاصةَ الأولى لثورة عام 1936، ونواةَ حرب عصابات سيدفع فيها الصّهاينة والبريطانيّون أثمانًا باهظة، ومقدمةً لبدء الإضراب الشامل في فلسطين، وإعلانِ الحكومة البريطانية حالة الطّوارئ في البلاد.

شخصية ذات صلة
قياديّون سياسيّون

محمد أمين الحسيني

1895, القدس, فلسطين
4 تموز 1974, بيروت, لبنان

هذه الثّورة، التي بدأت بأدوات بدائيّة وهجمات عشوائيّة ومظاهرات أشعلت المدن والقرى، حدت بالقيادة الفلسطينيّة إلى اتّخاذ موقف سريع انتهى بتشكيل اللّجنة العربيّة العليا من جميع القوى والأحزاب الفلسطينيّة، وانتخاب الحاج أمين الحسيني رئيسًا لها، لتحدّد اللّجنة مطالبها بمنع الهجرة اليهوديّة منعًا باتًّا، ومنع انتقال الأراضي إلى اليهود، وأخيرًا إنشاء حكومة وطنيّة مسؤولة أمام مجلس نيابيّ.

صعّد الفلسطينيّون من إضرابهم ليشمل جميع القطاعات، بما في ذلك العاملون في البلديّات، باستثناء عمال الكهرباء والمياه والمسؤولين عن النّظافة العامّة.1

  • 1. كبها، مصطفى داوود.  ثورة 1936 الكبرى: دوافعها وانعكاساتها. الناصرة: منشورات مكتبة القبس، 1988، ص 55.

اتّخذت المقاومة الفلسطينيّة المسلّحة في الثّورة كلّ الأشكال المتاحة والممكنة، استخدم الفلسطينيون خلالها القنابل لتفجير مراكز الشّرطة، وحطّموا السّيارات وقطعوا الاتصالات وأشعلوا النّار في المقرّات والمراكز، كما هاجموا المستعمرات والمزارع اليهوديّة، وركّزوا في هجومهم على المواصلات اليهوديّة والبريطانيّة باستخدام كلّ الطّرق، بدءًا من المسامير وحتّى المتفجرات والبنادق.1

  • 1. خليفة، أحمد. الثورة العربية الكبرى في فلسطين، الرواية الإسرائيلية الرسمية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1989، ص 18.
تفجير محانيه يهودا

كانت النّساء الرّيفيّات يرسلن الطّعام والشّراب إلى الثّوار في الجبال، وينقلن لهم العتاد العسكريّ، بوضع البارودة بين أكوام الخشب وحملها على رؤوسهنّ وصولًا إلى الثّوار.1

  • 1. عبد الهادي، فيحاء. أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينات 1930. المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية. البيرة: مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق، 2005، ص 33-34.

كما شاركت المرأة الفلسطينيّة في نقل المعلومات والأخبار وتحرّكات الجيش، فالمرأة في المدينة توصلها للمرأة الرّيفية الّتي تقوم بدورها بإيصالها إلى الثّوار في الجبال، لتشكّل النّساء بذلك ما يوصف بـ "حلقة اتّصال ومخابرات".1 هذه الآليّة في نقل الأخبار كانت فعّالة جدًّا في مساعدة الثّوار على الاختباء، مستخدمة أساليب طريفة وغنائيّة تحوّلت لاحقًا إلى نوع من الفنون الشّعبيّة، مثل ما فعلته جميلة في قرية عناتا عندما قامت بإنذار أحمد العيساوي وعدد من الثّوار المختبئين في قريتها عند مداهمة الإنجليز، وأخذت تغنّي وتقول:

"يا سامعين الصّوت صلوا على محمد، اللّي شاف، اللّي قام، اللّي حط يجعله من قلّة الولاد، من قلّة شو؟ من قلّة الصّغار يلاعب الغار، من قلّة اللّي ينطّ يداعب القطّ، نطّ يا قرد نطّ".2

  • 1. المصدر السابق، ص 46.
  • 2. المصدر السابق، ص 47 - 48.

كانت النّساء في كلّ يوم من أيّام الثّورة يشاركن بطرق لا تنتهي في مقاومة الإنجليز واليهود، وكن يشتبكن، مثلًا، بالأيدي مع قوات الانتداب لتخليص الثّوار، كما قمن بتخريب سير العمليات الإنجليزيّة بإلقاء المسامير تحت عرباتهم، وكن يقذفن مركباتهم بالحجارة.1 كما لعبن دورًا هامًا في الحفاظ على الأسلحة وحمايتها، فكانت المرأة الرّيفيّة تستغلّ المساحات الواسعة والخضرة المحيطة والطّوابين من أجل إخفاء قطع السّلاح، في حين كانت نساء المدينة يُلقين الأسلحة داخل آبار البيوت لإخفائها عن أبصار الإنجليز.2 وبعض النّساء كنّ يخبئن السّلاح في ثوبهنّ الفضفاض، وشاركن بذلك في تنفيذ عدد من عمليّات اغتيال العملاء، ومنهن شمّة الحسن الّتي كانت تبيع اللّبن في حيفا، وكانت تحمل المسدّس في ملابسها وتنقله من مكان لآخر حتى توصله إلى الشّخص المعنيّ، وهي تحمل اللّبن وتبيعه وتصيح "لبن، لبن"، وبعدها يقوم الثائر بقتل الشّخص المطلوب ويعيد المسدس إلى شمة وتهرب من المكان وهي لا تزال تبيع اللّبن.3

  • 1. المصدر السابق، ص 49- 52.
  • 2. المصدر السابق، ص 83- 85.
  • 3. المصدر السابق، ص 107.

حملت المرأة السلاح أيضًا وتدربت عليه وعلى الاشتباك المباشر مع العدو، واشتهرت نساء طيرة حيفا ورامين بذلك. وكان أن قامت نساء رامين بإطلاق النار على الإنجليز عندما اعتقلوا حراس عبد الرحيم الحاج محمد العشرة، ليعرفوا أن هناك مقاتلين من غير المأسورين، وحتى لا يثبت عليهم الجرم.1

  • 1. سرحان، نمر و كبها، مصطفى. سجل القادة والثوار والمتطوعين لثورة 1936-1939. القدس: دار الهدى، 2009، ص 298.

وفي 14 أيار 1936، اجتمعت السّيّدات العربيّات في يافا وتبنّين قرارات اللّجنة العربية العليا وشدّدن على استمرار الإضراب حتى نيل الحقوق.1 كما أصدرت لجنة سيّدات القدس بيان المئة بتاريخ 27 تمّوز 1936، حيّين فيه ثبات فلسطين العربية وجهادها، ووجّهن تحيّة للمنفيّين والمبعدين والسّجناء.2 حتّى أنّهن شاركن في النّزول إلى الشّوارع واستخدام العصيّ مع من يخرق الإضراب من البائعين، وكانت من أشهر تلك النّساء مؤمنة سلطان مسودي.3

  • 1. خرطبيل، وديعة. ذكريات ومذكرات وديعة قدورة خرطبيل: بحثا عن الأمل والوطن، ستون عاما من كفاح امرأة في سبيل قضية فلسطين. بيروت: بيسان للنشر والتوزيع، 1995، ص 75.
  • 2. المصدر السابق، ص 76.
  • 3. سرحان، نمر و كبها، مصطفى. سجل القادة والثوار، ص 723.

وفي نقلة استراتيجيّة للثّورة، تحولت الهجمات المتفرّقة والعمليّات المرتجلة إلى معارك نوعية أخذت شكلًا أكثر تنظيمًا وفاعلية. فبعد أشهر قليلة على بداية الثّورة، تمكّن الثّوار من إسقاط طائرة وتدمير ثلاث سيّارات في معركة بلعا، تبعها تدمير ثلاث طائرات إنجليزيّة ووقوع عدد من الخسائر البشريّة في صفوف الإنجليز.

إلّا أنّ الضّربة هذه المرّة جاءت من الدّاخل، عندما أعلنت اللّجنة الوطنيّة العليا فكّ الإضراب. لم يعنِ هذا الإعلان توقّف الثّورة، ولكنّه عنى بقاء الفلسطينيّين دون قيادة وطنية موحدة، مما حدا بالفصائل والثّوّار إلى العمل باستقلاليّة تامّة في تنفيذ هجماتهم وقيادة معاركهم.1

  • 1. كنفاني، غسان. ثورة 36 – 39: خلفيات وتفاصيل وتحليل. القدس: مطبعة الناصر، الوكالة الفلسطينية للصحافة والنشر.
اعادة افتتاح المحال التجارية 1936

خلال العامين التّاليين، حقق الفدائيّون والمقاومون ضربات موجعة لليهود والسّلطات البريطانيّة، اعتمدوا خلالها على إلقاء القنابل نحو أفراد الشّرطة والمستوطنات وأملاك اليهود والسّلطات البريطانيّة، وعملوا على نسف خطوط الحديد، وقطع خطوط التّلغراف، ونسف الطّرق والمصالح الحكوميّة، والاغتيالات، وتفجير خطوط البترول. وبلغ عدد العمليّات الّتي نفّذها الثّوار خلال العام الأول من الثّورة 4076 عملية، كان من بينها 1996 عمليةً ضدّ أفراد يهود، في حين استهدفت 895 عمليّةً منها ممتلكات اليهود في المدن المختلفة، و795 عمليّةً وُجّهت ضدّ جيش الانتداب وشرطته، و380 ضدّ وسائل المواصلات.

وفي مرحلة ما من الثّورة، استطاع الثّوّار أن يبسطوا سيطرتهم على معظم الطّرق وعدد من المدن الرّئيسة، وسيطروا على معظم المناطق الجبليّة، حتّى تمكّنوا من التّحرك بحرّيّة كاملة في وضح النّهار في نابلس.1

  • 1. المصدر السابق.

قد تكون الثّورة الكبرى قد أجهضت في مرحلة ما من العام 1939، إذ لعبت التّغيّرات العالميّة دورها في ذلك. فنشوب الحرب العالميّة الثّانية ووجود القيادات الفلسطينيّة خارج البلاد، وسقوط القيادات النّاشئة في ميادين القتال واحدةً تلو أخرى، كلّها كانت كفيلة بإنهاك الثّوار وتداعي الثّورة، الّتي انتهت مع نهاية معركة ترشيحا،1 إلّا أنّ التّاريخ النّضاليّ والشّعبيّ لهذه الثّورة ما زال مرجعًا فلسطينيًّا مُلهمًا للمقاومة.

  • 1. المصدر السابق.