كيف موّل شعبٌ ثورته

كيف موّل شعبٌ ثورته

كيف موّل شعبٌ ثورته
العمل الجماهيري في الثورة العربية الكبرى عام 1936
أحداث من المسرد الزمني ذات صلة

في مطعم فتح الله البياري عام 1963، كان الطّعامُ الثّابتَ الوحيد، وكلّ ما عداه كان غير معتاد: المال ليسَ شرطًا للحصول على وجبة، والمطعم قد يصبح فندقًا لمن يحتاج، أمّا تقديم فطور يوم الجمعة للجوعى فأصبح مهمّةً ثوريّة.

البياري، الّذي كان يقدّم الطّعام مجانًا لألف شخص ويعمل على إيواء ما يقارب 500 عائلة، لم يكن استثناءً، بل واحدًا من بين كثيرين نشرت الصّحف إعلاناتهم المتبرّعة بالمال أو المتطوّعة للمساعدة، في سبيل تمتين مجتمعهم خلال الثّورة الوليدة.

حين اشتعلت ثورة 1936، ودخل الفلسطينيّون الإضرابَ الشّامل الّذي عمّ فلسطين كلّها، لم تكن الظّروف المادّيّة بالأمر الّذي يسهّل عليهم مقاومتهم أو يجعلهم أقدر على الاستغناء عن الفتات الّذي يقدّمه الاستعمار، لكنّ طريق الثّورة لا بدّ أن يُرصف بما هو أكثر من العزيمة النّضاليّة والقوّة العسكريّة، وهذا ما أدركه الفلسطينيّون جيّدًا، عندما سعوا لخلق حالة اجتماعيّة تمنحهم القدرة على الاستمرار، وتشّكل أساسًا لصمودهم.

أوّل ما انتحاهُ الفلسطينيّون بعد إعلان ثورتهم وتشكيل اللّجنة العربية العليا، كان تشكيلَ لجانٍ محلّيّةٍ عُرفت باسم "اللّجان القوميّة"، تُعنى بحلّ الإشكاليّات الّتي تترتّب على الظّروف الطّارئة والتّصعيد السّياسيّ والعسكريّ الّذي فرضه الانتداب من جهة، وعلى الإضراب الشّامل الذي طال كلَّ مرافق الحياة الاقتصاديّة في فلسطين من جهة أخرى. عملت اللّجان بشكل مكثّف على توفير المساعدات المختلفة لأهالي المدن والقرى حسب ما تتطلّبه الظّروف، وتفرّعت عن اللّجان القوميّة لجانٌ فرعيّة وظائفيّة، تختصّ كلّ منها بتقديم نوع من المساعدات، جاء منها، مثلًا، لجنة المساعدات الّتي كانت تعمل على تأمين التّبرّعات وتوزيعها. وفي القدس شملت اللّجنة القوميّة عدّة لجان فرعيّة، يُذكر منها: لجنة السّيّارات، ولجنة الحرف والصّناعات، ولجنة ترويج البضائع الوطنيّة، ولجنة المعوزين والفقراء، ولجنة المحامين، ولجنة التّطبيب، وغيرها.1 أمّا عن تمويل هذه اللّجان، فقد اعتمد على عدد من المصادر شملت التّبرّعات الفرديّة من سكان المدن والقرى الميسورين، والضّرائب الّتي يدفعها الموظّفون العرب في الدّوائر الحكوميّة، والمنح والتّبرّعات الفرديّة من المتعاطفين في الأقطار العربيّة، وأخيرًا التّبرّعات العينيّة والموادّ التّموينيّة الّتي يقدّمها الفلّاحون.2

  • 1. جريدة فلسطين، 26 نيسان 1936.
  • 2. الحوت، بيان نويهض. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981، ص 341.
منع التجول خلال ثورة 1936

رغم من كلّ هذه الإمدادات الّتي مكنت الفلسطينيّين من الإنفاق على اللّجان المحلّيّة والتّأكّد من وصول المعونات إلى المحتاجين إليها، أدركوا أيضًا أنّ عليهم، في ظلّ غياب دولة تنفق على ثورتهم، أن يجدوا مصادر جديدة للإنفاق على الثّورة وضمان استقلاليتها واستمرارها، فهاجموا بنك باركليز واستولوا على 5020 جنيهًا، بالإضافة إلى 2000 جنيه استولوا عليها من مكتب بريد، في حين شكّلوا لجنةً تولّت الإشراف على القضايا الماليّة من أجل ضمان الاستفادة القصوى من هذه الأموال، وإنفاقها بالطّريقة المثلى.1

  • 1. ياسين، عبد القادر. ثورة 1936 الوطنية الفلسطينية: معالي أحمد عصمت، وقائع الثورة. القاهرة: مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات، 2007، ص 97.

ونظرًا لهذا التّنظيم العالي في صفوف الفلسطينيّين خلال ثورتهم، الّذي ساهم في إمدادها باحتياجاتها ووفّر لها مدخولات ماليّة، ومع تنظيم الإنفاق وتوالي التّبرّعات، أصبح بمقدور قيادة الثّورة أن تموّل ثوّارها وعائلاتهم، فدفعت مساعدات شهريّة تراوحت بين جنيه وستة جنيهات لكلّ مناضل متفرّغ، وجنيهين للجندي المناضل، وأربعة جنيهات لآمر الفصيل أو الكاتب في القيادة، وستة جنيهات للمساعد، وتسعة جنيهات للقائد، كان يتم توفيرها من أموال التّبرّعات الّتي تجمعها اللّجان المحلّيّة من المتبرّعين في المدن والقرى.1

ومع اتّساع الثّورة، اتّسعت مشاركة الفلسطينيّين بتقديم كلّ ما يمكن تقديمه، في محاولة منهم لتخفيف وطأة الظّروف على المعوزين والأقلّ حظًّا من إخوانهم. وانضمّت إلى الحالة العامّة شرائحَ جديدة من المجتمع الفلسطينيّ، كالتّجّار والباعة والبحّارة وسائقي السّيارات واللّحامين وتجّار الأغنام، كلٌّ بطريقته وإمكانيّاته واختصاصه. حتّى أنّ بعض التّجّار في نابلس سلّموا مفاتيح متاجرهم للجان الإضراب القوميّة حتّى انتهاء الإضراب واتّخاذ قرار بما سيكون لاحقًا.2

  • 1. المصدر السابق، ص 81 - 82.
  • 2. جريدة فلسطين، 24 نيسان 1936.

وفي ظلّ اشتراك عدد كبير من الرّجال في الثّورة، أصبحت الفلسطينيّاتُ القوّةَ الإنتاجيّةَ الأساسيّةَ، وزاد عليهن الضّغط في ظلّ الإجراءات الإنجليزيّة العقابيّة الّتي استهدفت إتلاف مخزون طعام العائلات.1 كما أنّ النّساء الرّيفيات موّلن الثّورة بما استطعن، فبعن مصاغهن من أجل توفير السّلاح للثّوّار، في حين كانت نساء المدينة يجمعن الأموال عن طريق عائلاتهن، وفي هذا ساهمت المؤسّسات النّسويّة المتمركزة في المدينة من أجل تحقيقه بشكل فاعل.2

وفي حالة الكساد الكبير الّتي عاشتها فلسطين، وعدم توفر السّيولة الماليّة، والفقر الشّديد الّذي طال شرائح واسعة من المجتمع، كان لا بدّ من حلول سحريّة تمكّن النّاس من الاستمرار بأقل ما هو ممكن، دون أن يحول فقرهم دون حصولهم على أساسيّات الحياة اليوميّة، فشُكّلت لجانٌ طبّيّة، جعلت التّطبيب والعلاج لصالح المحتاجين مجانيًّا.3

  • 1. عبد الهادي، فيحاء. أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينات: المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية. البيرة: مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق، 2005، ص 63.
  • 2. المصدر السابق، ص 33 - 34.
  • 3. جريدة فلسطين، خبر 25 نيسان 1936.

ومساهَمةً في الثّورة، أعلن العديدُ من أصحاب البيوت والعقارات عن إعفائهم للمستأجرين من دفع إيجارات بيوتهم ومحالّهم التّجاريّة طالما الثّورة مستمرّة. كما وضع محمد ياسين إعلانًا في جريدة فلسطين، كان نصّه: "تشجيعًا للإضراب، أتبرّع لعموم المستأجرين في هذه السّوق بأجرة شهر صَفَر من هذه السّنة، وإنّي مستعدّ لإعادة أجرة شهر لمن دفع الإيجار سلفًا، وخصمها لمن لم يكن قد سدّد الأجرة، على أنّه إذا استمرّ الإضراب شهرًا آخر فإنّي مستعد للسّير في هذه الخطّة، أي بالتّنازل عن أجرة شهر آخر، وهكذا، ما بقي الإضراب مستمرًّا. إنّ الأجرة الشّهرية لهذا السوق تبلغ خمسين جنيهًا، وإنّي أضحّي بهذا المبلغ في سبيل الأمّة".1

أضحى التّبرّع سمة الثّورة، والّلافت في الأمر أنّ الجريدة أضحت وسيلة إعلانيّة مهمّة من أجل تعميم الأخبار ذات الشّأن الإنسانيّ، وامتلأت الصّحف بأخبار التّبرّعات والمساعدات الإنسانيّة، من الإعلانات عن رغبة العائلات المقتدرة باستضافة عائلات معوزة، إلى إعلانات يعلن فيها أصحابها عن رغبتهم بالتّبرّع بطعام الآخرين، مثل إعلان صاحب فندق سلانيك في جريدة فلسطين الّذي تبرّع بعشرين غرفة، أضاف إليها قهوجي الفندق تبرّعه بالقهوة والشّاي مجّانًا للعائلات اللّاجئة،2 وإعلان زينة محمد القبّاني في جريدة القدس عن تقديمها لمساعدات التّوليد في قضاء يافا مجانًا لمدة عشرة أيّام، ورعايتها للفقيرات والمنكوبات 3،وغير هذا الكثير.

  • 1. جريدة فلسطين، 8 أيار 1936.
  • 2. جريدة فلسطين، 3 أيار 1936.
  • 3. جريدة فلسطين، 13 أيار 1936.

كانت الصّحف الفلسطينيّة هي المنبرَ الّذي من خلاله أعلن الناس عن رغبتهم في المشاركة بما يمكنهم، حتّى أنّ جريدة فلسطين اشتملت طوال فترة الإضراب على قوائم كبيرة من المتبرّعين من شركات وأشخاص، وكانت تصل الجميع عبر اللّجان المحلّيّة الّتي كانت مهمتها إجراء مسح شامل من خلال تقسيم المدن إلى مناطق توزيع لكي تضمن الوصول إلى كلّ المحتاجين،1 وكانت يافا، على سبيل المثال، قد قُسّمت إلى أربعة مناطق لتأمين المنكوبين والمحتاجين.

  • 1. انظر مثلًا "تقسيم يافا" في جريدة فلسطين، 27 نيسان 1936.
تصاوير لثورة فلسطين الكبرى عام 1936- 1939

شهدت الثّورة ما يمكن وصفه بتبادل المعونات والتّعاطف المتبادل بين المدن والأرياف الفلسطينيّة، وبين الأفراد من مختلف الخلفيّات الاجتماعيّة، وهو ما أثار بالطّبع حفيظة الإنجليز الذين رأوا في ذلك مقاومةً من نوع آخر، وطريقةً مبتكرةً في رصّ الصّفوف لم تكن بالحسبان، وهو ما أشار إليه المندوب السّامي في تقرير أرسله إلى وزير المستعمرات في 16 تموز 1936 يقول فيه:

"إنّ أعمال الإسعاف والإعانات تقتصر عمليًا على سكّان المدن والقرى الكبيرة. الفلّاح لا يكفي مؤونته فقط في هذه الأيّام، ولكنّه يتبرّع من محاصيله لمساعدة رفاقه في المدن. وفي موضوع الأعمال الخيريّة هناك نسبة عالية جدًا على صعيد الجهد الفرديّ المباشر، وهذا الجهد مستقل تمامًا عن أعمال المؤسّسات المنظّمة، مثلًا العائلة الثّرية تعتني بعائلة أو عائلتين فقيرتين، التّاجر يساند مستخدميه العاطلين عن العمل بدفع أجورهم الكاملة أو بقسم منها. الفرد الواحد يساعد الآخر، ويبدو جدًّا أنّ الظّرف الرّاهن قد خلق مشاعر أخويّة قويّة وعارمة بين المسلمين، مما يرفع عن كاهل الجمعيّات الخيريّة المنظّمة الكثير من أعمالها".1

  • 1. الحوت، بيان نويهض. القيادات والمؤسسات، ص 341.

هذا التّكافل والتّكامل أثبت قدرة عالية في تعزيز الصّمود الفلسطينيّ، وساهم في تكثيف عمليّات العصابات الفلسطينيّة في المناطق الشّماليّة والوسطى من فلسطين، كما أدّى إلى التّزايد في عدد الثّوار وتحسّن تنظيمهم،1 الأمر الذي كان مستفزًا ومؤرقًا للحركة الصّهيونيّة، ودفعها لاتّهام الثّورة الفلسطينيّة بتلقّيها مساعدات مادّية من أعداء بريطانيا في الخارج، وهو ما لم تملك عليه أيّ دليل يذكر،2 حتّى أنّ مقالًا نشر في صحيفة هآرتس بقلم سيميلانسكي، تحدّث عن تحطّم الآمال والضّائقة الاقتصاديّة المتصاعدة، قال فيه: "إنّ آمالنا تتحطّم، وكأنّما قضي عليها أن تهلك في البيت وخارج البيت، وفي كلّ يوم ضائقة وخنق، إّما من المخرّبين، وإمّا من شدّة الضّائقة الاقتصاديّة".3

  • 1. الكيالي، عبد الوهاب. تاريخ فلسطين الحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999، ص 293.
  • 2. الحوت، بيان نويهض. القيادات والمؤسسات، ص 380.
  • 3. دروزة، محمد عزة. مسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993، ص 308.

هذه الثّورة الّتي بدأت بمجموعات متفرّقة من الثوّار والمناضلين، استطاعت أن تتحوّل إلى مقاومة شعبيّة ونضال جماعيّ في خدمة الشّعب والأرض، لتجرّد الاستعمار من قوّته وسطوته، ولتشدّ أنظار العرب إلى بسالة الفلسطينيّين وحاجتهم إلى دعم عربيّ يشدّ من أزرهم، وهذا ما كان: تسابق المتطوّعون العراقيّون بقوّة عسكريّة مدرّبة قادها فوزي القاوقجي، دخلت فلسطين واتّخذت منطقة المثلّث (نابلس، طولكرم، جنين) مركزًا لها، وشهدت العواصم العربيّة مظاهرات حاشدة وأطلقت حملات تبرّعات وجمعت الأموال لصالح اللّجان العربيّة القوميّة من خلال نشاطات وحفلات موسيقيّة خصّص ريعها لصالح الثّورة الفلسطينيّة.