الطّريق إلى ثورة 1936

الطّريق إلى ثورة 1936

الطّريق إلى ثورة 1936
الكفاح المسلح في ثورة 1936
أحداث من المسرد الزمني ذات صلة

لعلّ الثورة العربية الكبرى سنة 1936، الّتي بلغت ذروتها في عام 1936، بدأت قبل هذا التّاريخ على شكل سلسلة من الأحداث الّتي مهّدت لها، وسهّلت من حدوثها، وجعلت من ولادتها أمرًا مسلّمًا فيه. ورغم أنّ هذه الأحداث كانت متباعدة ومتفاوتة في التّأثير، إلّا أنّ كلّ منها ساهم في الوصول إلى نقطة المواجهة مع الانتداب البريطانيّ والحركة الصّهيونيّة، في 15 نيسان 1936.

مثّل وعد بلفور الفصلَ الأوّلَ في صراع الفلسطينيّين مع الحركة الصّهيونيّة، وأدّت زيارةُ بلفور إلى فلسطين وزيارةُ وفد يهوديّ لبحث آمال الصّهيونيّة وأمانيها في البلاد إلى تحرّك الجماعات العربيّة وتشكيل الجمعيّات الإسلاميّة المسيحيّة لمقاومة الاستعمار. وأدّى ذلك إلى سلسلة من المؤتمرات تجلّى فيها الاتفاق على طلب الاستقلال التّامّ لفلسطين ورفض وعد بلفور والانتداب البريطانيّ.1

كانت الهجرات اليهوديّة إلى فلسطين قد بلغت ذروتها في عشرينيّات القرن الماضي، الأمر الذي لم يغب عن أذهان الفلسطينيّين، الّذين استشعروا ما تخطّط له سلطات الانتداب البريطانيّ الّذي خصّ اليهودَ في تنفيذ المشاريع الكبرى وامتلاكها، ما أسفر عن صِدامات ومواجهات مع القوّات الإنجليزيّة، وظهور بعض العصابات الّتي استهدفت تصفية السّماسرة والإنجليز.2

  • 1. نجم، إبراهيم، وأمين عقل وعمر أبو النصر. جهاد فلسطين العربية. تحرير وليد الخالدي. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2009، ص 167.
  • 2. عقرباوي، حمزة. "عصابة أبو كباري 1921 - 1927". دنيا الوطن، 2013، https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2013/10/13/308838.html.
الهجرة غير الشرعية (I)

وردًّا على سياسات الانتداب في دعم الوجود الصّهيوني في فلسطين، صعّد الفلسطينيون هجماتهم ضدّ الصّهاينة والبرنامج الصّهيونيّ المتمثّل في إغراق فلسطين بالمهاجرين اليهود وتمكينهم من الاستيلاء على مواردها ووظائفها ونزعها من أيدي أبنائها. لتلغ الهجماتُ ذروتها بين عامي 1920 و1921، مُسفرةً عن مقتل ثلاثين يهوديًا.1

وفي محاولة لردم الفجوة السّياسيّة في السّياق الفلسطينيّ في ذلك الوقت، عقدت القوى الفلسطينيّة عددًا من المؤتمرات الّتي ركزت في توصياتها على ضرورة الوحدة الوطنيّة والاستقلال الفلسطينيّ في مواجهة المدّ الصّهيونيّ، وهو ما يمكن اعتبارُه بدايةً لتشكل هويّة وطنيّة فلسطينيّة.

  • 1. نجم، إبراهيم، وأمين عقل وعمر أبو النصر، جهاد فلسطين العربية، ص 171.

ورغم ما بدت عليه الحال في بعض الأوقات المتقطّعة ما قبل الثّورة من ركود عام على مستوى المقاومة المباشرة، إلّا أنّ السّنوات الّتي سبقتها شهدت تحرّكًا باتجاه تنظيم الذّات، فانتشرت الجمعيّات والمؤسّسات ومجموعات الكشّافة، بالإضافة إلى تشكّل عدد كبير من المؤسّسات والتّجمعات النّسويّة، منها: جمعيتيّ رعاية الطّفل اليافاويّة في يافا والنّهضة النّسائيّة في رام الله، وغيرها من أذرع الاتّحادات النّسويّة.1

  • 1. علقم، نبيل. تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية ودور المرأة فيها. البيرة: مركز دراسات التراث والمجتمع الفلسطيني، جمعية إنعاش الأسرة، 2005، ص 81.
الشهيد فؤاد حجازي

كانت تداعيات ثورة البراق عام 1929 الأهمّ والأبرز في دفع الفلسطينيّين نحو ثورتهم الكبرى، وفي رسم شكل السّنوات القادمة في مواجهاتهم مع الصّهاينة. ففي الخامس عشر من آب من العام 1929، وصل اليهود إلى حائط البراق رافعين العلم الّصهيونيّ وهم ينشدون النّشيد القومي الصّهيونيّ (الهاتفكا- الأمل)، في ما يزعمون أنّه ذكرى "تدمير هيكل سليمان"، فيما صادف ذلك ذكرى المولد النّبوي الشّريف. أنتجت هذه الأحداث صدامات عنيفة في القدس بين الفلسطينيّين واليهود،1 امتدت لاحقًا لتصل إلى المدن الفلسطّينية الأخرى معلنة عن ثورة البراق الّتي انتهت بموجة اعتقالات كبيرة، نفّذتها سلطات الانتداب البريطانيّ بحق الشّباب الفلسطينيّين في صفُد، حكم 25 منهم بالإعدام، اضطرت بريطانيا مع الضغوطات على المندوب السّامي لخفضها إلى ثلاثة أحكام بالإعدام ضدّ كلّ من محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير، الذين أصبحوا رموزًا لّلنضال الفلسطينيّ وجزءًا من ذاكرة ثورة البراق حتّى يومنا هذا.2

  • 1. زعيتر، أكرم. مذكرات أكرم زعيتر: بواكير النضال. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994.
  • 2. الحوت، بيان نويهض. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917- 1948. دار الهدى، 1986.

ولم تقتصر المشاركة في ثورة البراق على الرّجال، بل شاركت نساء فلسطينيات في مهاجمة بعض المواقع العسكريّة البريطانيّة واليهوديّة، وجمع التّبرعات وتوزيعها على عائلات الشّهداء، كما استشهدت في تلك الثّورة تسع نساء من بين 120 شهيد فلسطينيّ، كان أغلبهن من القرى، وهن: عائشة أبو حسن من قرية عطارة، عزّيّة محمد علي سلامة من قالونيا، جميلة محمد أحمد الأزعر من صور باهر، نشاويك حسن من بيت صفافا، حليمة يوسف الغندور ومريم علي أبو محمود من يافا، فاطمة محمد علي حاج محمد من بيت دراس، إضافة إلى امرأتين ظلّ اسماهُما مجهولين.1

  • 1. علقم، تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ص 85.

وفي عام 1929 كذلك، عُقد المؤتمر النّسويّ العامّ، الّذي شاركت فيه 300 فلسطينيّة،1 أيّدن خلاله قرارات المؤتمرات الفلسطينيّة، وقررن تقديم مذكّرة إلى المندوب السّامي تتضمّن رفض وعد بلفور والمطالبة بمنع الهجرة وتنحية النّائب العام بنتويش وإلغاء قانون العقوبات المشتركة، وغيرها. كما نظّمن مسيرة من 80 سيارة جابت القدس في صمت ومرّت أمام قنصلّياتها، ووصلت إلى المندوب السّامي والتقته، حيث شرحت متيل مغنم للمندوّب السامي مطلب النّساء بالإنجليزيّة، وتبعتها طرب عبد الهادي بالعربيّة.2

  • 1. نجم، إبراهيم، وأمين عقل وعمر أبو النصر. جهاد فلسطين العربية، ص 174.
  • 2. علقم، نبيل، تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ص 86.
وفد النساء الفلسطينيات

وبعد عامين، أرسلت اللّجنة التّنفيذيّة لمؤتمر السّيدات العربيّات برقيّةً موقّعةً من وحيدة الخالدي ومتيل مغنّم بتاريخ 22 حزيران 1931 إلى السّلطات البريطانية وعصبة الأمم، احتجاجًا على تقرير لجنة البراق الدّوليّة، كما شاركت النّساء في مظاهرة دعت لها بهيجة النّابلسي في 25 آب 1931، دعمًا لتظاهرات ّالشباب في اليومين السّابقين.1

مثّلت هذه الزّيارة إلى المندوب السّامي إلى جانب المظاهرات النّسوية، كغيرها من الكثير من محاولات الضّغط السّياسّي الّذي مارسته الجمعيّات والاتّحادات النّسويّة الّتي تشكّلت في فلسطين، شكلًا من أشكال التّصدي للانتداب والصّهيونيّة، وكان الدّور التّعبويّ والتّحريضي لهذه المؤتمرات والمظاهرات متّصلًا بالفعل المقاوم على الأرض، وشكلًا من أشكال انخراط النّساء في العمل السّياسيّ، وأفرز خطابًا وطنيًّا يضع المرأة الفلسطينيّة في قلب الأحداث، ويجعل منها محرّكًا ومشاركًا نوعيًّا فيها.

  • 1. المصدر السابق، ص 87.

مثّلت هذه الزّيارة إلى المندوب السّامي إلى جانب المظاهرات النّسوية، كغيرها من الكثير من محاولات الضّغط السّياسّي الّذي مارسته الجمعيّات والاتّحادات النّسويّة الّتي تشكّلت في فلسطين، شكلًا من أشكال التّصدي للانتداب والصّهيونيّة، وكان الدّور التّعبويّ والتّحريضي لهذه المؤتمرات والمظاهرات متّصلًا بالفعل المقاوم على الأرض، وشكلًا من أشكال انخراط النّساء في العمل السّياسيّ، وأفرز خطابًا وطنيًّا يضع المرأة الفلسطينيّة في قلب الأحداث، ويجعل منها محرّكًا ومشاركًا نوعيًّا فيها.

في هذه الأثناء، ومع تصاعد القمع المادّيّ والاقتصاديّ، كان الفلسطينيّون قد وصلوا إلى نقطةٍ لا رجعة عنها، واستخلاصٍ مفاده أنّه لا بدّ من الاشتباك المسلّح والمواجهة العسكريّة مع الإنجليز من أجل إجهاض المشروع الصّهيونيّ واسترداد الحقوق العربيّة. وكانت مجموعات مسلّحة سرّيّة مختلفة قد بدأت بالتّشكل والظّهور في عشرينيات القرن الماضي، مع غياب بنية سياسيّة موحدة قادرة على توجيه النّضال ضدّ الاستعمار.

شخصية ذات صلة
مناضلون وثوّار

عز الدين القسّام

1882, جبلة, سوريا
20 تشرين الثاني 1935, يعبد, فلسطين

كانت ثورة القسّام واحدة من تجلّيات إحدى هذه المجموعات المسلّحة، الّتي أسّسها الشيخ عز الدين القسّام في فلسطين عام 1921، انطلاقًا من إيمانه بالخيار العسكريّ باعتباره حلًّا وحيدًا في مواجهة الحركة الصّهيونيّة والاستعمار البريطانيّ. شارك القسّاميّون في العمل الجماهيريّ والشّعبيّ وحملات المقاطعة للبضائع الصّهيونيّة، كما نفّذوا عددًا من العمليّات العسكريّة الّتي وجّهوها ضدّ اليهود، ليعلنوا ثورتهم الّتي يمكن اعتبارها البروفا الأخيرة لثورة عام 1936، والّتي انتهت باستشهاد عزّ الدّين القسّام وعدد من رفاقه في أحراش يعبد.1

عام 1930، أسّس عز الدين القسّام منظّمة عسكريّة معادية للصّهيونية والإنجليز حملت اسم "الكفّ الأسود"2، وصل عددُ أعضائها بين 200 و800 عضو مدرّب عام 1935.3 استهدف هذا التّنظيم اليهود في منطقة الشّمال4، كما قيل إنه سعى لتصفية العملاء والجواسيس. كانت السّرّيّة العالية هي الّتي تحكم عمل الجمعيّة، إذ كانت تتشكّل من مجموعات رباعيّة يعرف أفرادها بعضهم البعض، في حين لا يعرفهم الباقون في المجموعات الأخرى.5 شاركت النساء في منظمة الكفّ الأسود، خصوصًا في منطقة القدس، حيث عملت النّساء النّاشطات فيه على إرسال رسائل تهديد للشّرطة، حتّى أنّ عددًا من عضواته اعتُقلن وحوكمن في محاكم عسكريّة انتهت بهّن في السّجن، كانت إحداهنّ منيرة الخالدي الّتي أُرسلت إلى السّجن عام 1937.6

  • 1. الموسوعة الفلسطينية، ص 1948.
  • 2. Yaari, Ehud. Strike Terror: the Story of Fatah. Sabra Books, 1970, p. 41
  • 3. Segev, Tom. One Palestine, Complete: Jews and Arabs Under the British Mandate. Macmillan, 2001, p. 360.
  • 4. Kedourie, Elie and Sylvia G. Haim. Zionism and Arabism in Palestine and Israel. Taylor & Francis, 1982, p. 63
  • 5. عرار، عبد العزيز. "القادة الفلاحون في معمعان الثورة الفلسطينية 1936 – 1939" دنيا الوطن، 2011، http://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/220579.html.
  • 6. عبده ، جنان. "ناريمان خورشيد وتنظيم زهرة الأقحوان". جدلية، http://turkey.jadaliyya.com/pages/index/21776/%D9%86%D8%A7%D8%B1

نفّذت جماعة الكفّ الأسود هجمات ضدّ أهداف يهوديّة بين الأعوام 1930 و1935، كما اغتالت أحمد نايف1، والّذي عرف عنه أنّه كان يعمل ضابطًا سرّيًا عميلًا لدى الإنجليز، ليرفض أبناء حيفا الّصلاة عليه ودفنه في المقبرة.2

وبغض النّظر عن حقيقة هذه الجمعيّة أو سنة تشكّلها ومؤسّسيها، نظرًا لتضارب المعلومات حولها، إلّا أنّها ساهمت، إلى جانب غيرها من التّنظيمات والجماعات في التّأسيس لثورة عظيمة، وتمكنت من إحداث ضرر بالغ في صفوف اليهود والإنجليز على مدار سنوات من الغليان والمقاومة.

  • 1. عرار. "القادة الفلاحون"
  • 2. زعيتر، أكرم. مذكرات أكرم زعيتر، ص 148.