أذكى من الرقيب

أذكى من الرقيب

أذكى من الرقيب
كيف صوّر الكاريكاتيرُ الاستعمارَ في فلسطين الانتدابية

وسط جو عاصف سياسياً في فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي، كان الكاريكاتير السياسي أكثر بكثير من مجرد تعليق على الأحداث.

قبل أكثر من ثمانين عاماً، كان حازم نسيبة صبياً يعبر باب العامود كل صباح، قاطعاً شوارع القدس نحو مدرسته في البلدة القديمة، ماراً بالرجال المجتمعين في المقهى في انتظار آخر الأنباء. "كان الكثيرون يأتون من القرى القريبة من القدس"، يخبرنا نسيبة من بيته الحالي في عمّان، واصفاً من المشهد في ثلاثينيات القرن الماضي. "كانت وجوههم محمرة من طول المسير، حاملين على رؤوسهم سلال العنب والتين."1

يصف نسيبة كيف كان رجال القرى يجلبون غلّتهم إلى البلدة القديمة لبيعها في السوق، ثم يذهبون إلى المقاهي ليقرأ أحد لهم الصحف.2 خلال الثلاثينيات، كان واحدٌ فقط من كل خمسة فلسطينيين يقرأ ويكتب،3 لذا، فقد كان من المعتاد أن يقرأ الصحف بصوت عالٍ مَن كان متعلماً، ويُريَ الصور والكاريكاتيرات لمَن كان أمياً.4

في هذه الجلسات، كانت الصحف المصوّرة تنشر رسالتها وسط جمهور واسع، وتصوغ الوعي السياسي للفلسطينيين العرب، الأميين وغير الأميين.5 وكان هذا النمط من التجمع منتشراً إلى درجة دفعت المسؤولين البريطانيين الذين أجروا تحقيقاً في المسألة، عقب هبّة البراق عام 1929، إلى القول في تقريرهم الحكومي: "في كل قرية تقريباً، هناك من يقرأ الصحف وسط جمع ممن لا يقرؤون. إن الفلاحين والقرويين العرب بذلك هم أشد تسيّساً من كثير من الأوروبيين."6

  • 1. نسيبة، حازم. قابلته ثريا الريس وإبراهيم الطراونة،عمّان (2015)، تسجيل صوتي.
  • 2. نسيبة، حازم. قابلته ثريا الريس وإبراهيم الطراونة،عمّان (2015)، تسجيل صوتي.
  • 3. خالدي، رشيد. القفص الحديدي: قصة النضال الفلسطيني من أجل الدولة. [The Iron Cage: The Story of the Palestinian Struggle for Statehood ]. دار بيكون، 2007.
  • 4. شو، سير والتر سيدني. تقرير اللجنة حول الاضطرابات في فلسطين في آب 1929: دليل سُمع خلال الجلسة الأولى [إلى السابعة والأربعين]، مكتب جلالة الملك، 1930.
  • 5. سفيان، ساندي. "تحليل ثورة 1936-1939: صور الجسد في الكاريكاتير السياسي في فلسطين الانتدابية" [Anatomy of the 1936–39 Revolt: Images of the Body in Political Cartoons of Mandatory Palestine ]، مجلة الدراسات الفلسطينية 37، عدد 2 (2008).
  • 6. شو، سير والتر سيدني. تقرير اللجنة حول الاضطرابات في فلسطين في آب 1929: دليل سُمع خلال الجلسة الأولى [إلى السابعة والأربعين]، مكتب جلالة الملك، 1930.
شيخ يلقي كلمة أمام مجموعة من الرجال الفلسطينيين خلال ثورة 1936-1939

عناوين مرسومة

في ذلك الحين، كانت الكاريكاتيرات السياسية تظهر دوماً على الصفحات الأولى لتلك الصحف، مقدمةً نقداً لاذعاً للمفاوضات والتكتيكات السياسية والتطورات الاقتصادية.1

  • 1. سفيان، ساندي. "تحليل ثورة 1936-1939: صور الجسد في الكاريكاتير السياسي في فلسطين الانتدابية" [Anatomy of the 1936–39 Revolt: Images of the Body in Political Cartoons of Mandatory Palestine ]، مجلة الدراسات الفلسطينية 37، عدد 2 (2008): 25.
أحداث من المسرد الزمني ذات صلة

إلا أن المرأة التي رسمت أوسع الكاريكاتيرات انتشاراً في فلسطين الثلاثيثينيات ظلّت لغزاً. كل ما نعرفه عنها هو أنها كانت مسيحية من أوروبا الشرقية، وأن مالك صحيفة فلسطين، عيسى الداوود، كان العقل المدبر للكاريكاتيرات التي كانت ترسمها. لم تُروى قصتها إلا بعد ستين سنة، في رسالة إلكترونية من رجا، ابن عيسى، إلى الباحثة الأمريكية ساندي سُفيان، قبل سنوات قليلة على رحيل رجا. ولولا تلك الرسالة، لكانت الرسّامة اللغز انمحت من التاريخ.

هناك لغز في الكاريكاتيرات نفسها أيضاً: كيف تشيع فجأة وتنفجر شعبيتها، وكيف تخبو وتأفل فجأة كذلك. فقبل الثورة الفلسطينية بين عامي 1936 و1939 وبعدها، لم تظهر الكاريكاتيرات السياسية في الصحف الفلسطينية إلا لماماً، ولم تبرز إلا حين اشتد الصراع.1

  • 1. سفيان، ساندي. "تحليل ثورة 1936-1939: صور الجسد في الكاريكاتير السياسي في فلسطين الانتدابية" [Anatomy of the 1936–39 Revolt: Images of the Body in Political Cartoons of Mandatory Palestine ]، مجلة الدراسات الفلسطينية 37، عدد 2 (2008): 25.
جنود بريطانيون يفتشون رجل فلسطيني خلال ثورة 1936-1939

الالتفاف على الرقابة

ليس من المصادفة بشيء أن الرقابة البريطانية على الصحف ازدادت مع توتر الشارع في فلسطين، فسُجن صحفيون، ومُنع نشر أنواع معينة من المعلومات، وأُغلقت صحف يومية لنشرها مقالات "خطيرة". في مناخ قمعي كهذا، حمل الكاريكاتير السياسي ميزة هامة، هي قدرته على تحويل الرسائل الثورية من صورتها المكتوبة إلى المرئية، التي كان نفاذها عبر حواجز الرقابة أعلى احتمالاً.1 علّق البريطانيون صدور الصحف اليومية العربية الأربع معاً مرات عدة، لما رأوه مقالات مستفزة. ففي الفترة الأولى من الثورة، عُلّق صدور الصحف العربية أربعاً وثلاثين مرة، فيما عُلّقت صدور الصحف العبرية ثلاثة عشر مرة.2

  • 1. سفيان، ساندي. "تحليل ثورة 1936-1939: صور الجسد في الكاريكاتير السياسي في فلسطين الانتدابية" [Anatomy of the 1936–39 Revolt: Images of the Body in Political Cartoons of Mandatory Palestine ]، مجلة الدراسات الفلسطينية 37، عدد 2 (2008): 27.
  • 2. سفيان، ساندي. "تحليل ثورة 1936-1939: صور الجسد في الكاريكاتير السياسي في فلسطين الانتدابية" [Anatomy of the 1936–39 Revolt: Images of the Body in Political Cartoons of Mandatory Palestine ]، مجلة الدراسات الفلسطينية 37، عدد 2 (2008): 27.
جنود بريطانيون يفتشون رجل فلسطيني خلال ثورة 1936-1939

قد تبدو هذه الرسوم للوهلة الأولى بسيطة ومباشرة، إلا أن بعضها كان شديد الرمزية، ومنها الكاريكاتير الذي نشرته صحيفة فلسطين في حزيران 1936، بعنوان تمساح الصهيونية لعرب فلسطين، والذي يرسم أوجهاً عدة لاستعمار فلسطين. في هذا الرسم، يقف شرطي بريطاني طويل بزي أبيض ويدخن غليونه. يشبه وجهه وجه كلب "بُلدوغ"، في إشارة إلى شخصية جون بُل الخيالية التي كثيراً ما استخدمت كرمز لبريطانيا العظمى في الكاريكاتير في تلك الفترة. تقول الباحثة ساندي سفيان إن "الضابط يبتسم، لكنها ليست ابتسامة بريئة، بل أشبه بابتسامة ساخرة لمجرم خبيث. إنه يرتدي بسطاراً ثقيلاً ذا مرابط، تشبه الخطوط السوداء على ظهر التمساح الصهيوني ومخالبه، في إشارة إلى الوفاق بين الصهاينة والبريطانيين".1 يسيل لعاب التمساح جاحظ العينين وهو يتهيأ لالتهام الفلاحين العرب وبياراتهم، ويخرج ذيله من البحر كمنصة تصعد نحو سفينة، مجسّداً إستراتيجيتيْن رئيستين اعتمدتهما الصهيونية مبكراً: الفك الفاغر الذي يمثل استعمار الأراضي العربية بالمصادرة والاستيلاء، والذيل المدرّج الذي يلمّح إلى هجرة عشرات آلاف المستعمرين الأوروبيت إلى فلسطين بحراً. في الثلاثينيات، كان تشرد الفلاحين نتيجة عمليات شراء الصهاينة للأراضي مسألةً اقتصادية ملحّة، إذ بلغت ديونهم والأقساط التي لم يستطيعوا تسديدها مستويات خطيرة،2 وازدادت سوءاً بعد أن بدأ البريطانيون بفرض الضرائب على أراضٍ عديدة لم تكن الضرائب مفروضة عليها من قبل.3 قاوم الفلاحون تلك الإجراءات بالانضمام إلى اتحادات العمال والتنظيمات السياسية، وبالانخراط في التظاهر المدني ضد البريطانيين والصهاينة والطبقة الفلسطينية الغنية.4

  • 1. سفيان، ساندي. "تحليل ثورة 1936-1939: صور الجسد في الكاريكاتير السياسي في فلسطين الانتدابية" [Anatomy of the 1936–39 Revolt: Images of the Body in Political Cartoons of Mandatory Palestine ]، مجلة الدراسات الفلسطينية 37، عدد 2 (2008): 30.
  • 2. سفيان، ساندي. "تحليل ثورة 1936-1939: صور الجسد في الكاريكاتير السياسي في فلسطين الانتدابية" [Anatomy of the 1936–39 Revolt: Images of the Body in Political Cartoons of Mandatory Palestine ]، مجلة الدراسات الفلسطينية 37، عدد 2 (2008): 30.
  • 3. تماري، سليم، وعصام نصار. حكواتي القدس: حياة واصف جواهرية وزمنه، 1904-1948، [The Storyteller of Jerusalem: the Life and Times Wasif Jawhariyyeh, 1904-1948]، دار أوليف برانش: 2013.
  • 4. سفيان، ساندي. "تحليل ثورة 1936-1939: صور الجسد في الكاريكاتير السياسي في فلسطين الانتدابية" [Anatomy of the 1936–39 Revolt: Images of the Body in Political Cartoons of Mandatory Palestine ]، مجلة الدراسات الفلسطينية 37، عدد 2 (2008): 30.

ما تبقّى

في مكتبة مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، يلبس كهلٌ زوجاً من القفازات المطاطية، ويسحب أسطوانة صغيرة من الأرشيف، ويصلها بعارض الميكروفيلم، تلك الآلة الرمادية المكعبة التي تشبه حاسوباً من الثمانينيات. هذه المكتبة هي إحدى الأماكن القليلة التي حُفظ فيها جزء من رسوم تلك الحقبة، التي ضاع معظمها إلى الأبد.

في عز احتدام الثورة واشتداد القمع البريطاني، لم يكن لدى الثوار الفلسطينيين ومناصريهم، في ما يبدو، الوقت الكثير لتوثيق قصتهم. كثير مما وثّقوه فُقد بعد عقد من الزمن خلال النكبة، حين فرّ الفلسطينيون من بيوتهم بعد هول ما رأوه من المليشيات الصهيونية.1  لكننا، في هذه الرسوم النادرة، نرى بعض الصور القليلة التي بقيت لتحكي عن صحوة الوعي المعادي للاستعمار في فلسطين خلال الانتداب البريطاني.

 

  • 1. أزولاي، أرييلا. "أحوال فوتوغرافية: النهب، الأرشيف، وصورة "المتسلل"، [Photographic Conditions: Looting, Archives, and the Figure of the" Infiltrator"]، حوليات القدس، عدد 61 (2015): 6.