ضوء على

لجنة بيل 1936-1937

ضوء على
لجنة بيل 1936-1937
زرع بذور التقسيم

عرض جدول الأحداث

كان البريطانيون، خلال عهد الانتداب، مولعين بتشكيل "لجان تحقيق" كلما حمل الفلسطينيون السلاح في وجه الحكم الاستعماري البريطاني والاستيطان الصهيوني. وكانت مهمة هذه اللجان تقصي أسباب ما كان يسميه البريطانيون "الاضطرابات" وتقديم توصيات لوضع سياسات من شأنها تحسين الوضع. وفي الغالب كان المفوّضون يمضون عدة أسابيع في فلسطين يجرون خلالها مقابلات مع مئات الأشخاص، بمن فيهم مسؤولون بريطانيون يقيمون ويعملون في فلسطين، وشخصيات قيادية في المجتمعَين الفلسطيني واليهودي. وقد زارت أربع لجان بريطانية فلسطين في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، وهي: لجنة هايكرافت (1921)؛ لجنة شو (1929)؛ لجنة بيل (1936-1937)؛ لجنة وودهيد (1938). وكانت لجنة بيل أبرز هذه اللجان لأنها أوصت في تقريرها النهائي، الذي صدر في تموز/ يوليو 1937، بتقسيم فلسطين إلى دولتين، إحداهما يهودية والأُخرى عربية، وهي المرة الأولى التي تقرّ فيها هيئة سياسية بريطانية رسمياً فكرة قيام "دولة" يهودية في فلسطين بدلاً من فكرة "وطن قومي" يهودي الأكثر محدودية. كما أوصى التقرير بترحيل أكثر من 200.000 فلسطيني من منازلهم لفسح المجال أمام قيام الدولة اليهودية الجديدة.

أرسلت الحكومة البريطانية لجنة بيل إلى فلسطين رداً على الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت في نيسان/  أبريل 1936. وعلى الرغم من أن الفلسطينيين شاركوا في مقاومة منظمة ضد الحكم البريطاني قبل سنة 1936، فإن هذه الثورة كانت واسعة الانتشار، ومنظمة للغاية، ومتواصلة، وانضم إليها مقاتلون عرب من خارج فلسطين. وقد استخدم الجيش البريطاني في فلسطين أساليب وحشية لسحق الثورة، منها الاعتقال الجماعي، وهدم المنازل، والإعدامات. وقد وصلت اللجنة في الأسبوع الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1936، خلال فترة سادها بعض الهدوء. وكان اللورد بيل الذي ترأس اللجنة قد شغل منصب وزير شؤون الهند في أوائل عشرينيات القرن الماضي. وكان بين أعضاء اللجنة الآخرين اثنان من كبار المسؤولين الاستعماريين هما: لوري هاموند (Laurie Hammond)، الذي كان حاكم ولاية آسام في أواخر العشرينيات، ورئيس لجنة ترسيم الحدود الهندية في سنتي 1935 و1936، وموريس كارتر (Morris Carter) الذي شغل منصب حاكم إقليم تنجانيقا في أوائل العشرينيات، ورئيس لجنة أراضي كينيا خلال سنتي 1932 و1933. أمّا الخبير القانوني للجنة فكان هارولد موريس (Harold Morris)، وكان يشغل حينئذ منصب رئيس المحكمة الصناعية في لندن. في حين أن خبير شؤون الشرق الأوسط كان هوراس رامبولد (Horace Rumbold)، وهو دبلوماسي سابق عمل في القاهرة وطهران. وكان ريجينالد كوبلاند (Reginald Coupland)  العضو الأكاديمي في اللجنة وهو أستاذ التاريخ الاستعماري في جامعة أكسفورد، كما كان خبيراً بالشؤون الأفريقية، ومحرراً في مجلة "الطاولة المستديرة" خلال الفترة 1917- 1919. وأقام أعضاء اللجنة بفندق الملك داود، لكنهم استمعوا إلى معظم الشهادات في مبنى حكومي بريطاني كان في الأساس فندق بالاس في شارع أغرون في حي مأمن الله (حي ماميلا بالعبرية) بالقدس الغربية.

وخلال الأشهر التي تلت تشرين الثاني/ نوفمبر 1936، استمعت اللجنة إلى مئات الساعات من الشهادات العلنية والمغلقة (أي جلسات سرية). وكانت المهمة الرسمية التي حُدّدت للجنة قبل مغادرتها لندن هي:

التثبّت من الأسباب الكامنة وراء الاضطرابات التي اندلعت في فلسطين في أواسط نيسان/ أبريل؛ التحقيق في كيفية تنفيذ صك الانتداب على البلد نظراً إلى التزامات الدولة المنتدَبة نحو العرب واليهود؛ التثبّت، بعد تفسير نصوص الانتداب تفسيراً صحيحاً، مما إذا كان لدى العرب أو لدى اليهود أي مظالم مشروعة ناجمة عن الطريقة التي اتُّبعت فيما مضى، أو التي تُتبع الآن، في تنفيذ الانتداب وفي حال اقتنعت اللجنة بأن أياً من هذه المظالم له ما يبرره، ترفع التوصيات من أجل إزالتها ومنع تكررها.

لكن محاضر الشهادات السرية تكشف أن المفوضين تجاوزوا حدود صلاحياتهم، وتضمنت تجاوزاتهم سؤال الشهود عن رأيهم في التقسيم كحل ممكن.

من الناحية الإجرائية، لم تطلب اللجنة أحداً للإدلاء بشهادته، إذ كان في إمكان أي شخص التقدّم للشهادة، طالما التزم بإجراءات التقديم والمواعيد النهائية. وكانت اللجنة العربية العليا التي تشكّلت في نيسان/ أبريل 1936، والتي كانت الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني، قد أوضحت أنها لن تتقدم للشهادة أمام لجنة بيل ما لم يتم تعليق الهجرة اليهودية، على الأقل خلال زيارة هذه اللجنة لفلسطين. لكن الحكومة البريطانية لم تلّبِ هذا المطلب، فقاطعت اللجنة العربية العليا لجنة التحقيق خلال الأسابيع القليلة الأولى من عملها في فلسطين، غير أنها تراجعت عن قرارها في كانون الثاني/ يناير1937، بعد أن أقنعها بذلك كل من الملك عبد الله، وابن سعود (مَنْ كانا يُسمّيان حينها "الملوك العرب") ونوري السعيد. وهكذا أدلى أعضاء في اللجنة العربية العليا بشهادة علنية أمام لجنة بيل، يُذكر منهم الحاج محمد أمين الحسيني، ومحمد عزة دروزة، وعوني عبد الهادي، وجمال الحسيني. وهذه الشهادات العلنية متاحة اليوم باللغتين العربية والإنكليزية، ومن الممتع قراءتها، فهي تظهِر كيف بذل القادة الفلسطينيون كل ما في وسعهم لتقديم حجج مفصلة ودقيقة في سبيل إثبات حقوقهم، لكنهم في الوقت نفسه، أعربوا عن قلة ثقتهم بالتزام بريطانيا (المفترَض) "المعاملة العادلة". وانعدام الثقة هذا ناجم عن حقيقة أن توصيات لجان التحقيق البريطانية السابقة لم تؤد إلى ردّ الظلم الأساسي للحكم البريطاني في فلسطين. وقد نُشرت الشهادة الفلسطينية في الصحافة العربية بهدف إطلاع الشعب الفلسطيني الذي دفع قسم كبير منه ثمن التمرد ضد الحكم البريطاني وعانى جرّاء أساليبه الوحشية في القمع، على أقوال قيادته أمام اللجنة.

لم يشارك الفلسطينيون في الجلسات السرية، على الرغم من أن إجراءات اللجنة سمحت لهم بالتقدم بطلبات للقيام بذلك، ويعود ذلك إلى أن أسماء الذين شاركوا في الجلسات السرية نُشرت جميعها، ولم تكن القيادة الفلسطينية تريد أن يُنظر إليها على أنها تتفاوض مع البريطانيين خلف الأبواب المغلقة، في الوقت الذي يعاني الشعب الفلسطيني أشد المعاناة. وعلى النقيض من ذلك، قدم القادة الصهيونيون شهادات غزيرة في الجلسات السرية، كما أن المسؤولين البريطانيين العاملين لدى حكومة فلسطين، بمختلف مراتبهم، أدلوا بشهادات سرية، وكذلك فعل البريطانيون المقيمون والعاملون في فلسطين من غير المرتبطين بالحكومة.

شكلت الجلسات السرية الإطار الذي جرى فيه مناقشة وإعداد تفصيلات التقسيم. وكان ريجينالد كوبلاند، العضو الأكاديمي في اللجنة، من أشد مؤيدي الفكرة، وقد عمل بشكل وثيق مع المسؤولين البريطانيين المقيمين بفلسطين، بمن فيهم دوغلاس هاريس (Douglas Harris)، مستشار حكومة الانتداب في شؤون الري، ولويس أندروز (Lewis Andrews)، حاكم لواء الجليل (اغتيل في أيلول/ سبتمبر 1937)، للدفع بفكرة تضمين التقرير النهائي للجنة توصية بالتقسيم باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق للصراع بين العرب واليهود في فلسطين.

في 7 تموز/ يوليو 1937 نُشر التقرير النهائي وجاءت التوصية بالتقسيم بصورة موجزة في آخره، مع خريطة مُرفَقة. وقد تمت استشارة الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية بشأن الحدود المرسومة في الخريطة قبل إصدار التقرير، الأمر الذي مكّنهما من إقناع البريطانيين بإدراج مناطق محددة ذات أهمية كبيرة ضمن حدود الدولة اليهودية، شملت وادي الحولة. وعند نشر التقرير، انقسمت القيادة الصهيونية بشأن كيفية الرد، فأُقر الرأي على الموافقة على مبدأ التقسيم، لكن من دون قبول تفصيلات الخريطة التي أوصت بها لجنة بيل. أمّا القيادة الفلسطينية، فقد ثار غضبها، ودانت توصية التقسيم، وأكدت التزامها الراسخ إقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل أرض فلسطين، ولم تكن مستعدة للتنازل عن أكثر المناطق خصوبة لمستعمرين أوروبيين.

لم تُنفذ توصيات تقرير بيل في ذلك الحين، وقامت لجنة وودهيد، التي زارت فلسطين سنة 1938، بدراسة لوجستيات التقسيم عن كثب، وقررت أنه غير قابل للتنفيذ. لكن بالنسبة إلى القيادة الصهيونية، شكل تقرير بيل دليلاً واضحاً على استعداد البريطانيين (على المستوى الرسمي) لدعم مبدأ الدولة اليهودية في فلسطين. وقد استُخدِمت فيما بعد خريطة التقسيم المدرَجة في تقرير بيل كأساس لخريطة التقسيم التي وافقت عليها الأمم المتحدة سنة 1947. وبعبارة أخرى، وعلى الرغم من أن الأمر استغرق عشر سنوات إضافية لتقسيم فلسطين، من خلال حرب 1948، والتطهير العرقي الذي راح ضحيته 750.000 فلسطيني، فإنه يمكن اعتبار توصيات لجنة بيل نقطة تحوّل، عندما أصبحت النكبة النهاية الأكثر احتمالاً للاحتلال البريطاني لفلسطين.

ل. ب.

قراءات مختارة

الحوت، بيان نويهض. "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، 1917-1948". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981.

Golani, Motti. “The Meat and the Bones: Reassessing the Origins of Partition in Mandate Palestine.” In Laura Robson and Arie Dubnov, eds., Partitions: A Transnational History of Territorial Separatism. Stanford, CA: Stanford University Press, 2019.

Palestine Royal Commission Report. London: His Majesty’s Stationary Office, National Archives, 1937.

Sinanoglou, Penny. “The Peel Commission and Partition, 1936–1938.” In Rory Miller, ed., Britain, Palestine, and Empire: The Mandate Years, 119–40. Farnham, UK: Ashgate, 2010).