ضوء على

المنظمة الصهيونية العالمية

ضوء على
المنظمة الصهيونية العالمية
التأسيس لإنشاء دولة يهودية في فلسطين

عرض جدول الأحداث

كانت المنظمة الصهيونية في حقبة ما قبل 1948 أهم هيئة للصهيونية العالمية وأكثرها فعاليةً، وكانت تجمع ناشطين متباعدين أيديولوجياً ومبعثرين جغرافياً، يجمعهم الحلم بتأسيس وجود قومي يهودي على الأرض في فلسطين. وكانت المنظمة الصهيونية بمثابة المظلة التي تندرج تحتها الهيئات الأساسية التي تؤمّن التمويل والأرض للمستعمرين الصهاينة الأوائل، وكان الأكثر أهمية ضمنها "الصندوق القومي اليهودي" و"صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار". ومع حلول الانتداب، عينت الحكومة البريطانية الهيئة التنفيذية الصهيونية التابعة للمنظمة الصهيونية في فلسطين، لتكون بمثابة "الوكالة اليهودية" المشار إليها في المادة 4 من ميثاق الانتداب كجهاز مسؤول عن "المشورة والتعاون" مع بريطانيا في المسائل كافة التي "قد تؤثر في تأسيس الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين".    

أسس المؤتمر الصهيوني الأول، الذي انعقد في بازل في سويسرا سنة 1897، المنظمةَ الصهيونية لتكون بمثابة الإطار العام الذي يجمع الحركة الصهيونية ويخدم مصالحها. وقد نص برنامج بازل، الذي تم اعتماده في المؤتمر، على أهداف المنظمة الصهيونية، ولاسيما "تأسيس وطن آمن للشعب اليهودي في فلسطين بشكل علني وقانوني". وبغية تحقيق هذا الهدف، عدد برنامج بازل أربعة نشاطات محددة:

أ- التعزيز المناسب للاستيطان في فلسطين باليهود، المزارعين والحرفيين والتجار.

ب- تنظيم اليهود كافة وتوحيدهم، من طريق إنشاء المؤسسات المحلية والعامة الملائمة، وفقاً للقوانين السارية في كل بلد.

ج- تقوية الشعور اليهودي القومي والوعي القومي.

د- اتخاذ الخطوات التحضيرية للحصول على موافقة الحكومات وفق المقتضى لتحقيق هدف الصهيونية.

أما العضوية في المنظمة الصهيونية، فكانت مفتوحة لأي فرد أو مجموعة  توافق على برنامج بازل وتدفع المستحقات التي تُدعى "الشيكل الصهيوني". وقد تمت صياغة الدستور الكامل للمنظمة في المؤتمر الصهيوني الثالث سنة 1899، وفيه هيكليتها التشغيلية، بحيث تتألف من: "لجنة الأعمال المصغرة"، التي تشتمل على سبعة أعضاء (ويكون رئيسها رئيس المؤتمر الصهيوني أيضاً)، و"لجنة الأعمال الموسعة"، المؤلفة من قادة المنظمات المختلفة في بلدان مختلفة (وقد تم توسيع هذا الجهاز في مؤتمرات صهيونية لاحقة). وانتخِب تيودور هرتزل رئيساً أولَ للمنظمة الصهيونية وشغل هذا المنصب حتى وفاته سنة 1904.

أما المشاكل العملية الأساسية التي واجهت الحركة الصهيونية مطلع القرن، فكانت غياب التمويل وعدم إمكان الحصول على الأرض اللازمة لتوطين المستعمرين اليهود في فلسطين، وغياب موافقة الدولة التي كانت تفرض سيادتها على فلسطين، الإمبراطورية العثمانية. وأسست المنظمة الصهيونية، بغية حل هذه المشاكل، عدداً من الأجهزة الفرعية المحورية، فأنشأ المؤتمر الصهيوني الثاني في العام 1898 "صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار"، بغية جمع التبرعات للمشروع الصهيوني وليكون بمثابة الأداة المالية للمنظمة الصهيونية. في سنة 1899، تم تأسيس الصندوق وتسجيله رسمياً في لندن، وتبع ذلك سنة 1902، إنشاء "بنك أنجلو- فلسطين"، وهو مؤسسة فرعية للصندوق في فلسطين، وجرى افتتاح أول فرع للبنك في يافا سنة 1903. دعم بنك أنجلو فلسطين العمليات الصهيونية، من شراء الأراضي إلى الاستيراد والامتيازات، كما أنشأ شبكة من الاتحادات الائتمانية لتقديم قروض زراعية طويلة الأمد للمستعمرين اليهود. خلال فترة الانتداب، لم يعد "صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار" يمارس أعمال البنك، بل أصبح شركة قابضة لأسهم بنك أنجلو فلسطين. من جهة أخرى، جرى إنشاء "كيرين هايسود- النداء الإسرائيلي الموحد" (الصندوق التأسيسي) في مؤتمر المنظمة الصهيونية سنة 1920 ليكون بمثابة الذراع الدولي لجمع التبرعات للحركة الصهيونية.

وبغية حل مشكلة الأراضي، أنشأت المنظمة الصهيونية الصندوق القومي اليهودي (JNF) في المؤتمر الصهيوني الخامس سنة 1901. وجمع الصندوق القومي اليهودي الهبات عالمياً من أجل تمويل شراء الأراضي في فلسطين، واستلم أول قطعة أرض هديةً من صاحب أرض روسي صهيوني سنة 1902. وفي السنوات التالية قام بأول عمليات شراء، كما لعب سنة 1909 دوراً أساسياً في تأسيس تل أبيب. ومع انتهاء الانتداب، كانت مشتريات الصندوق القومي اليهودي من مجمل أراضي فلسطين قليلة نسبياً (أقل من ٤ بالمائة)، إلا أنها كانت تشكل نصف الأراضي التي كانت بيد اليهود في فلسطين. وهكذا، لعبت المنظمة الصهيونية، من خلال الصندوق القومي اليهودي، دوراً أساسياً في توطين اليهود المهاجرين إلى فلسطين، مقدمة لهم أرضاً يمكن أن يعيشوا ويعملوا فيها ولو لم يكن لديهم الموارد الكافية (وقلّة منهم كانت تتمتع بمثل هذه الموارد) لشراء هذه الأراضي أو استئجارها في السوق الحرة. وقد لعب الصندوق القومي اليهودي دوراً مهماً آخر بعد 1948، حين سُمِحَ له بشراء "أملاك الغائبين" –وهي أراض مطهرة عرقياً من مالكيها الفلسطينيين– من الدولة. وفي سنة 1953، تم حل الصندوق القومي اليهودي وإعادة إنشائه شركةً إسرائيلية ذات نفوذ واسع في إدارة أراضي إسرائيل (يعيِّن الصندوق 10 من 22 مديراً فيها)، وهي هيئة حكومية موكلة بإدارة الأراضي كافة التي تم تحديدها ملكاً للدولة أو للصندوق القومي اليهودي.

شرعت المنظمة الصهيونية، بعد أن أنشأت المؤسسات الرئيسية التي مكّنت الصهاينة حول العالم من دعم قيام وطن قومي يهودي في فلسطين، بتحويل هذا الدعم إلى وقائع على الأرض. في سنة 1908، افتُتح مكتب فلسطين في يافا (ترأسه آرثر روبين) بصفته فرعاً عملياتياً للمنظمة الصهيونية، وكان دوره تمثيل اليهود القادمين إلى فلسطين في تعاملهم مع الدولة العثمانية، وتنسيق عمليات شراء الأراضي مع الصندوق القومي اليهودي. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى ووعد بلفور، تمكنت المنظمة الصهيونية من تبديد آخر مخاوفها، ألا وهي الموافقة الدولية على جهودها الاستعمارية. وفي سنة 1918، شكّل حاييم وايزمان، رئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني ذو النفوذ القوي ورئيس المنظمة الصهيونية في ما بعد، اللجنة الصهيونية المعنية بدراسة الظروف في فلسطين وتقديم التقارير للحكومة البريطانية، وأعاد هيكلة مكتب فلسطين إلى أقسام (الزراعة، الاستيطان، التعليم، الأراضي، المالية، الهجرة، الإحصاء) تسمح بقيام بنية تحتية شبه "دولتية" على أرض فلسطين وتحت رعاية بريطانيا. وفي سنة 1921، أعيدت تسمية اللجنة الصهيونية لتصبح الهيئة التنفيذية للحركة الصهيونية في فلسطين، ولتكون بنظر البريطانيين بمثابة الوكالة اليهودية المشار إليها في نص الانتداب.

وحتى بعد أن تم توسيع الوكالة اليهودية في سنة 1929 لتشمل الممثلين اليهود غير الصهاينة، كانت الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية تطابق تقريباً الهيئة التنفيذية للمنظمة الصهيونية. وبالتالي، وحتى قيام إسرائيل في سنة 1948، كانت الوكالة اليهودية تقوم فعلياً بدور شبه "دولتي" في فلسطين، بالتنسيق مع المنظمة الصهيونية، التي كانت -من جهتها- تجسد الحركة الصهيونية في نطاقها الدولي. وبعد 1948، تابعت الحركة الصهيونية من خلال مؤسساتها، دعم هجرة اليهود وتوطينهم في إسرائيل، لتقوم بالدور نفسه بعد 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلَين. وفي سنة 1960، اعتمدت المنظمة الصهيونية دستوراً جديداً وأصبحت تعرف بـ"المنظمة الصهيونية العالمية". أما هيئاتها الفرعية، بما فيها كيرين هايسود والصندوق القومي اليهودي وبنك أنجلو فلسطين (الذي أعيدت تسميته ببنك لئومي وكان بمثابة البنك القومي لإسرائيل حتى سنة 1954)، فلا تزال تعمل حتى يومنا هذا قنواتٍ بين المنظمات الصهيونية خارج إسرائيل  ومشروع الدولة الاستعماري المستمر.

أ. و.

 

قراءات مختارة:

أبو راس، ثابت. "الصندوق القومي اليهودي: الصراع على ماضيه ومستقبله". "قضايا إسرائيلية"، المجلد 7، العدد 28 (2007).

الخالدي، محمد علي. "يوتوبيا أم تبشير صهيوني؟: قراءة في رواية هيرتسل Altneuland (البلد القديم الجديد)". "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 45-46، شتاء- ربيع 2001.

الخالدي، وليد. "الصهيونية في مئة عام: من البكاء على الأطلال إلى الهيمنة على المشرق العربي (1897-1997)". بيروت: دار النهار، 1998.

الخالدي، وليد. "الشركة اليهودية - العثمانية للأراضي مخطط هيرتسل لاستعمار فلسطين". "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 96، خريف 2013.

لين، وولتر وأوري ديفيس. "الصندوق القومي اليهودي". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1990.