ضوء على

مدريد واتفاقية أوسلو

ضوء على
مدريد واتفاقية أوسلو
وعودٌ قصيرة الأمد بحلّ تفاوضي

عرض جدول الأحداث

شكّل مؤتمر مدريد سنة 1991 واتفاقية أوسلو سنة 1993، بداية عملية السلام الإسرائيليّة الفلسطينيّة المباشرة، التي تواصلت بشكل متقطّع حتى اليوم، كما شهد مؤتمر مدريد جلوس الإسرائيليّين مع العرب إلى طاولة المفاوضات للمرة الأولى منذ مؤتمر جنيف (عقد في كانون الأول/ ديسمبر سنة 1973)، كما كانت المرة الأولى تجلس دول خط المواجهة العربيّة الأربع جميعاً مع الإسرائيليّين منذ مؤتمر لوزان (سنة 1949). وشهد مؤتمر مدريد أيضاً للمرة الأولى حضور الفلسطينيّين رسميّاً إلى جانب الإسرائيليّين.

بدورها، شكّلت اتفاقيّة أوسلو (في أيلول/ سبتمبر 1993) الوثيقة الإسرائيليّة- الفلسطينيّة الأولى من نوعها التي في وسعها تمهيد الطريق أمام إسرائيلَ ومنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف.) لإنهاء عقود من الصراع. ورغم الترحيب الواسع الذي لاقته، لما تقدّمه للفلسطينيّين من حكم ذاتيّ قد يمهّد لإقامة دولة فلسطينيّة بعد عدة عقود من الاحتلال المتواصل، رأى كثير من الفلسطينيّين أنّ اتفاقيّة أوسلو لم تقدّم شيئاً يذكر لبلورة ظروف ملائمة تجعل دولة فلسطينيّة مستقلّة – ولا نقول التحرير – هدفاً يحتمل التحقيق.

ومع هزيمة العراق على أيدي تحالف عسكريّ بقيادة الولايات المتحدة في حرب الخليج (من كانون الثاني/ يناير حتى آذار/ مارس 1991)، وانتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفييتي في السنة ذاتها، ارتأت إدارة الرئيس الأميركيّ جورج بوش أنّ عليها "مكافأة" الدول العربية، وخصوصاً سوريا، لمشاركتها في التحالف ضد النظام العراقي، وأن الوقت حان كي تستخدم الولايات الأميركية قوتها الهائلة ومكانتها في الشرق الأوسط للدفع باتجاه التوصّل إلى حلّ سلميّ للصراع العربيّ- الإسرائيليّ. ومن أجل ذلك، اقترحت الإدارة الأميركية إعادة عقد المؤتمر الدولي الذي نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 338 سنة 1973، والذي كان معلّقاً منذ ذلك الحين.

تطلّبت التحضيرات لعقد المؤتمر الدولي، بين أمور أخرى، إيجاد مخرج لمسألتين مهمتين: طبيعة التمثيل الفلسطيني ومرجعية المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية. ولما كانت إسرائيل والولايات المتحدة متفقتين على استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية، لم يكن في وسع الأخيرة بعد أن ضعفت وفقدت الدعم العربي بسبب موقفها الذي اعتُبر مؤيداً للنظام العراقي في غزو الكويت، إلا أن تمنح مباركتها لتشكيل وفد أردنيّ- فلسطينيّ مشترك لا ينتمي أعضاؤه الفلسطينيون إلى المنظمة رسمياً. وذهبت الولايات المتحدة أبعد من ذلك، إذ وافقت على الشروط الإسرائيلية بأن على هؤلاء الأعضاء أن يكونوا من الضفة الغربية وقطاع غزة حصراً، واستثناء القدس الشرقية والشتات. أما بالنسبة إلى المرجعية، فمع أن المفاوضات على جميع المسارات كانت خاضعة لقرار مجلس الأمن رقم 242، إلا أن الفلسطينيين كانوا مطالَبين بالموافقة على إجراء المحادثات أولاً بشأن ترتيبات مرحلية لحكم ذاتي لمدة خمس سنوات، وبألا يتم الاستناد إلى القرار المذكور إلا في مفاوضات الوضع النهائي بعد أن تكون ترتيبات الحكم الذاتي قد وضعت موضع التنفيذ.

انعقد مؤتمر السلام في مدريد في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1991، برعاية أميركية-سوفييتية رسمية مشتركة. وأُعطيَ رئيس الجانب الفلسطينيّ في الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك حيدر عبد الشافي، المكانةَ ذاتها التي منحت لرؤساء سائر الوفود (الأردن، سوريا، لبنان وإسرائيل)، ولمّا كان من المعروف أن الأعضاء الفلسطينيين معيَّنون من منظمة التحرير وينسّقون معها في المفاوضات، دلَّ ذلك على أن إسرائيل تتفاوض بحكم الأمر الواقع مع المنظّمة. وفور انتهاء الافتتاح الرسمي للمؤتمر، عقد الوفد المشترك والوفد الإسرائيلي جولة أولى من المحادثات اتفقا في أثرها على ان المفاوضات ستجرى "على مسارين: مسار فلسطيني- إسرائيلي ومسار أردني- إسرائيلي".

خلال الأشهر العشرين اللاحقة، عقد الفلسطينيون والإسرائيليون تسع جولات تفاوضية في واشنطن، وخلال الجولة الثالثة في كانون الثاني 1992، انفصل المفاوضون الفلسطينيون عملياً عن الوفد الأردني وبدأوا محادثات ثنائية مع الوفد الإسرائيلي. وتأكدت استقلالية الدور الفلسطيني أكثر بعد ذلك في محادثات متعدّدة الأطراف افتتحت في موسكو في 28 كانون الثاني 1992 لمناقشة قضايا إقليمية، كاللاجئين والتعاون الاقتصادي والمياه والأمن. وعلى الرغم من أن المحادثات وضعت القضيةَ الفلسطينية في مركز الاهتمام الدولي ومنحت الفلسطينيين صورة إيجابية لدى الرأي العام العالمي، فإنها لم تشهد - ثنائية ومتعددة الأطراف - تقدماً حقيقياً في الأمور الجوهرية، وخصوصاً في قضايا الولاية الفلسطينية على الأرض والقدس والمستعمرات الإسرائيلية.

وبينما كانت المحادثات الثنائيّة الرسميّة بين حكومة إسرائيل، بزعامة يتسحاق شامير، والفلسطينيّين تراوح مكانها في واشنطن، نتيجة دعم الإدارة الأميركية إسرائيلَ وضغطها على الفلسطينيين للقبول بكل ما كان الوفد الإسرائيلي يعرضه عليهم، بدأت محادثات سرية بين إسرائيل ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة في النرويج في كانون الثاني 1993، شارك فيها عند بلوغها طابعاً جدياً وعملياً في أيار/ مايو 1993، كبير مفاوضي منظّمة التحرير الفلسطينيّة أحمد قريع (أبو علاء)، وأوري سافير من وزارة الخارجيّة الإسرائيلية. لكن جوهر تلك المحادثات السرية لم يختلف عن المبادئ التي حدّدتها مرجعية مدريد، أي عن فكرة وضع ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي لمدة خمس سنوات في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي 20 آب/ أغسطس، توصل الطرفان إلى وضع صيغة "إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي"، وفي 9-10 أيلول تبادل الرئيس ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي يتسحاق رابين رسائل الاعتراف المتبادل: اعترفت منظمة التحرير بـ "حق دولة إسرائيل في العيش بسلام وأمن" والتزمت بتعديل مواد الميثاق الوطني الفلسطيني التي تتعارض مع هذا الحق، واعترفت حكومة إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية "ممثلاً للشعب الفلسطيني".

وفي 13 أيلول، جرى رسمياً في البيت الأبيض توقيع "إعلان المبادئ"، ونصَّ على انسحاب إسرائيل من قطاع غزّة ومنطقة أريحا، على أن تتبع هذه الخطوة الأولية إقامة مجلس منتخب وتوسيع صلاحياته في الضفة الغربية، باستثناء القدس والمستعمرات والمواقع العسكرية. وأُجِّلت هذه المسائل، بالإضافة إلى مسائل أخرى كاللاجئين والترتيبات الأمنيّة والمياه والحدود، إلى مفاوضات الوضع النهائيّ. ولم يتضمن إعلان المبادئ التزاماً إسرائيلياً بتجميد النشاطات الاستيطانية في الضفة الغربية، بما فيها القدس، ولم يحدد المدى الفعلي للمستعمرات والمواقع العسكرية التي سيعيد الجيش العسكري انتشاره منها، وبالتالي الأراضي التي ستنقل إلى الولاية الفلسطينية في المرحلة الانتقالية.

حَكَمَ التوسع الاستيطاني والنقل المحدود للأراضي اللذان شهدتهما السنوات اللاحقة على اتفاق أوسلو بالفشل، فبنظرة إلى الوراء يمكن القول إن كون إعلان المبادئ لم ينص على التحكيم الملزِم ولم يتضمن إلا مبادئ عامة يحتاج تطبيقها إلى مزيد من التفاوض، أعطى إسرائيل اليد العليا في السنوات اللاحقة.

وعلى رغم إشادة العالم بالاتفاق كبداية للتفاوض حول إنهاء الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، فإن كثيراً من الفلسطينيين، وخصوصاً في الشتات، رفضوا "إعلان المبادئ" بسبب فرضه التنازلات كافة على الطرف الفلسطيني من دون إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني في مقابلها. وكانت فصائل عشرة (منها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، و"حماس"، والجهاد الإسلامي) قد شكلت في دمشق في أيلول 1992 تحالفاً معارضاً للمفاوضات، اعتبر أن مشروع الحكم الذاتي الذي يجري التداول حوله من شأنه أن يوطد الاحتلال ويمزق الشعب. ثم أصدر التحالف في 2 أيلول 1993 بياناً أعلن فيه أن الاتفاق المزمع توقيعه يعني تكريس الاحتلال الإسرائيلي وتحويل الفلسطينيين موظفين وأداة في خدمة الاحتلال، وإنشاء شرطة فلسطينية لحماية أمن إسرائيل وقمع الشعب الفلسطيني.

وشهدت السنوات العشرون منذ التوقيع على اتفاقيّات أوسلو، مرور سنوات خمس أولى من دون التوصل إلى معاهدة سلام نهائيّة، واندلاع الانتفاضة الثانية في العام 2000، وغياب مفاوضات مجدية بين إسرائيل والفلسطينيّين، وربما الأهم من ذلك، استمرار توسّع وترسيخ الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربيّة، إلى جانب الحصار الخانق على قطاع غزة. وبالتالي، فإنّه يمكن اعتبار نتائج اتفاقيّات أوسلو إعادةَ تشكيل للاحتلال بدلاً من كونها خطوة نحو إقامة الدولة أو التحرير.

م. ف.

 

قراءات مختارة:

تماري، سليم. "مستقبل اللاجئين الفلسطينيين: أعمال لجنة اللاجئين في المفاوضات المتعددة الأطراف واللجنة الرباعية". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996.

الخطيب، غسان. "السياسة الفلسطينية وعملية سلام الشرق الأوسط: الإجماع والتنافس ضمن الوفد الفلسطيني المفاوض". ترجمة عارف حجاوي. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2014.

سعيد، إدوارد. "نهاية عملية السلام: أوسلو وما بعدها". بيروت: دار الآداب، 2002.

عباس، محمود. "طريق أوسلو: موقِّع الاتفاق يروي الأسرار الحقيقية للمفاوضات". بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1994.

قريع، أحمد. "الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات: من أوسلو إلى خريطة الطريق". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2005.

منصور، كميل. "نظرة عامة إلى مفاوضات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية وتقويم لها". "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 14، ربيع 1993.