ضوء على

إعلان الاستقلال الفلسطيني، 1988

ضوء على
إعلان الاستقلال الفلسطيني، 1988
التزامات تاريخية من أجل إقامة الدولة

عرض جدول الأحداث

بعد ما يقارب ربع قرن من إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وعقدين من الزمن من سيطرة الفصائل المقاوِمة عليها، جاء إعلان الاستقلال الفلسطيني في سنة 1988 في بعض نواحيه، نتيجةً طبيعية لتطور المنظمة، أما في نواحٍ أخرى فكان بمثابة قطيعة جذرية مع الماضي، إذ أشار للمرة الأولى إلى قبول تقسيم فلسطين، بالتزامن مع شرعية جديدة على الساحة الدولية، في حين تزايدت علامات الاغتراب في الساحة العربية.

طُرح مصير الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين بحدة على جدول أعمال منظمة التحرير الفلسطينية بعد اندلاع حرب عام 1973، التي أوجدت - من خلال التوازن العسكري النسبي الذي أفرزته - وهماً بإمكان التوصل إلى تسوية سياسية شاملة قوامها انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها سنة 1967. وقد أجمعت فصائل منظمة التحرير على رفض عودة الضفة الغربية إلى السيادة الأردنية، مستندة في ذلك إلى موقف قطاعات واسعة من جماهير المناطق الفلسطينية المحتلة، التي عبّرت عن رغبتها في أن تتحمّل منظمة التحرير مسؤوليتها عن مصير الأراضي التي قد تنسحب منها إسرائيل. وفي أعقاب نقاشات حامية، تبنّى المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة في القاهرة مطلع حزيران/ يونيو 1974، "البرنامج السياسي المرحلي" (برنامج النقاط العشر)، الذي نص على إقامة "سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة" فوق الأراضي الفلسطينية التي سيندحر عنها الاحتلال، مشدداً على أن أي خطوة تحريرية هي "حلقة لمتابعة تحقيق استراتيجية منظمة التحرير في إقامة الدولة الفلسطينية الديموقراطية". بيد أنه بدا واضحاً منذ ذلك الحين، أن منظمة التحرير تتجه نحو تبنّي شعار إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة، وهو الشعار الذي أقرّته بالفعل الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في القاهرة في آذار/ مارس 1977.

وبالاستناد إلى هذا التحوّل الذي طرأ على مواقفها، استطاعت منظمة التحرير أن تحقق مكاسب سياسية مهمة، تمثّلت في اعتراف مؤتمر القمة العربية، الرباط (تشرين الأول/ أكتوبر 1974) بالمنظمة "ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني"، وتأييد حق الشعب الفلسطيني "في العودة إلى وطنه وتقرير مصيره"، وحقه "في إقامة السلطة الوطنية المستقلة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية". كما صدر في الشهر نفسه قراران عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، يدعو الأول منهما إلى ممارسة الشعب الفلسطيني حقوقه الثابتة في فلسطين، بما فيها "حقه في تقرير المصير" و"حقه في الاستقلال والسيادة الوطنيين" (القرار رقم 3236)، ويمنح الثاني منظمة التحرير صفة المراقب في الأمم المتحدة (القرار رقم 3237).

ولكن بينما كانت منظمة التحرير تُعِدّ نفسها للمشاركة في جهود التسوية السياسية، كان سراب هذه التسوية يبتعد، وخصوصاً بعد أن أقدمت مصر على انتهاج طريق التسوية المنفردة مع إسرائيل، التي تكللت بتوقيع "اتفاقيات كامب ديفيد" في أيلول/ سبتمبر 1978. وبنجاح الغزو الإسرائيلي لـ لبنان صيف 1982 في اقتلاع وجود المنظمة، فقدت الأخيرة القاعدة "الآمنة" التي كانت توفّر لها حرية التحرك السياسي، كما خسرت ورقة "الكفاح المسلح" التي استخدمتها لتثبيت دورها كطرف أساسي في الصراع.

في هذا السياق، وفي ظروف التشتت، عانت منظمة التحرير منذ أيار/ مايو 1983 من انقسام شديد في صفوفها، لم تتجاوزه إلا بعد انعقاد الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في مدينة الجزائر في نيسان/ أبريل 1987، التي أعادت اللحمة إلى صفوف المنظمة وساهمت في توفير شروط اندلاع الانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة في كانون الأول/ ديسمبر 1987، التي أنهت ما سماه أحد الباحثين مرحلة "التيه" الفلسطيني. فقد كرّست تلك الانتفاضة انتقال مركز الثقل في النضال الوطني الفلسطيني نهائياً من الخارج إلى الداخل، وتركت تأثيرات كبيرة على الفكر السياسي الفلسطيني وتطوره، بعد أن ركّزت القيادة الوطنيّة الموحّدة للانتفاضة على هدفَي الحرية والاستقلال، ورسمت فاعلياتها النضالية حدود الدولة الفلسطينية على أساس "الخط الأخضر" الذي يفصل الأراضي الفلسطينية التي احتُلت سنة 1967 عن أراضي العام 1948. وأعادت الانتفاضة للقضية الفلسطينية أولويتها على سلم الاهتمامات العربية، كما دفعت الحكومة الأردنية إلى إصدار قرارها في 31 تموز/ يوليو 1988 بفك العلاقة القانونية والإدارية بين الضفتين الشرقية والغربية لـ نهر الأردن. وحرّكت الانتفاضة، بطابعها الشعبي والسلمي، موجة واسعة من التعاطف مع الشعب الفلسطيني، كما نشّطت المساعي الدولية لإيجاد تسوية سياسية للصراع، وعزّزت مواقع قوى السلام داخل إسرائيل.

وشعرت قيادة منظمة التحرير، ولا سيما في ظل مناخات الانفراج الدولي التي تولّدت من سياسة "البيريسترويكا" السوفييتية، أن الظروف باتت ناضجة كي تُقْدِم على طرح مبادرة سياسية سلمية، ولهذا الغرض انعقدت الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 1988، وأصدرت في ختام أعمالها "إعلان الاستقلال"، الذي تضمن "قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف"، باعتبارها "دولة عربية [و] جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية، ومن تراثها وحضارتها، ومن طموحها الحاضر إلى تحقيق أهدافها في التحرر والتطور والديموقراطية والوحدة"، ولتكون دولة "للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطوّرون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق وتصان فيها معتقداتهم الدينية وكرامتهم الإنسانية".

كما تضمن "إعلان الاستقلال" موافقة منظمة التحرير، لأول مرة منذ نشوئها، على قرار تقسيم فلسطين الدولي، عندما أشار إلى أنه "مع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، بتشريده وحرمانه من حق تقرير المصير، إثر قرار الجمعية العمومية رقم 181 لسنة 1947، الذي قسّم فلسطين دولتين، عربية ويهودية، فإن هذا القرار ما زال يوفّر شروطاً للشرعية الدولية تضمن حق الشعب العربي في السيادة والاستقلال الوطني". وعلى الرغم من معارضة بعض فصائل منظمة التحرير، أعلن البيان السياسي الصادر عن تلك الدورة موافقة منظمة التحرير على قرارَي مجلس الأمن رقم 242 و338 كأساس لانعقاد المؤتمر الدولي للسلام بمشاركة منظمة التحرير على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى. كما جدَّد الإعلان -بعد أن أكد "حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي"- رفضه "الإرهاب بكل أنواعه، بما في ذلك إرهاب الدولة".

وبذلك، استجابت منظمة التحرير لشروط الإدارة الأميركية للحوار معها، مبررة موافقتها على قرارَي مجلس الأمن اللذين يخاطبان الدول، بأن فلسطين بعد أن صارت "دولة" صار بوسعها التفاوض على أساسهما حول الانسحاب الإسرائيلي من أراضيها. وبالفعل، قررت إدارة الرئيس رونالد ريغان في 15 كانون الأول/ ديسمبر 1988، تفويض وزارة الخارجية الأميركية "الدخول في حوار موضوعي مع ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية". بيد أن "مبادرة السلام" الفلسطينية ما لبثت أن اصطدمت بجدار التعنت الإسرائيلي، وبإعلان إدارة الرئيس جورج بوش في 21 حزيران/ يونيو 1990، تعليق الحوار الأميركي– الفلسطيني، في وقت راحت الانتفاضة تعاني من الإنهاك والانقسام بين قواها الفاعلة، ولا سيما بعد بروز "الإسلاميين" منافسين لمنظمة التحرير ورافضين الاعتراف ببرنامجها السياسي وبوحدانية تمثيلها الشعب الفلسطيني. وفي هذه الظروف، تبنت قيادة منظمة التحرير المبادرة السياسية التي طرحها الرئيس العراقي صدّام حسين بعد غزوه الكويت في 2 آب/ أغسطس 1990، على قاعدة "الربط" بين كل النزاعات في الشرق الأوسط.

وبعد حرب الخليج الثانية التي انتهت بهزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت، وجدت منظمة التحرير نفسها تحت حصار سياسي ومالي شديد، عربي ودولي. وتحت ضغوط مكثّفة، لم يكن أمام المنظمة سوى الموافقة على الشروط الأميركية للمشاركة في المؤتمر الدولي للسلام الذي دعت إليه الإدارة الأميركية في تشرين الأول/ أكتوبر 1991، ثم على الدخول في مفاوضات سرية مع الحكومة الإسرائيلية أسفرت، في أيلول/ سبتمبر 1993، عن اتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لم يؤدِّ إلى تجسيد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي أُعلن عنها سنة 1988، بل أدّى إلى زيادة حدة الصراع بين الطرفين، وإلى توسيع سياسة الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتدهور أوضاع سكانها المعيشية.

م. ش.

 

قراءات مختارة:

الشريف، ماهر. "البحث عن كيان: دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908-1993". نيقوسيا: مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1995.

صايغ، يزيد. "الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية 1949- 1993". ترجمة باسم سرحان. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002.

عبد الرحمن، أسعد. "التحوّل السياسي الفلسطيني (المعاني والظروف والعوامل)"، "شؤون فلسطينية"، العدد 202، كانون الثاني (يناير) 1990.

فرسون، سميح. "فلسطين والفلسطينيون" ترجمة عطا عبد الوهاب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003.

المصالحة، عمر. "السلام الموعود: الفلسطينيون، من النزاع إلى التسوية". ترجمة وديع إسطفان وماري طوق. بيروت: دار الساقي، 1994.