ضوء على

منظمة التحرير الفلسطينية (1)

ضوء على
منظمة التحرير الفلسطينية (1)
عودة انبثاق الحركة الوطنية الفلسطينية

عرض جدول الأحداث

شهد العقد الممتد بين سنتي 1958 و1968، طوراً تأسيسياً في التاريخ الفلسطيني الحديث. بدأ العقد ببروز فكرة إنشاء كيان فلسطيني سياسي تم تجسيده في ما بعد بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وبقيام عدد من الفلسطينيين على مستوى القاعدة بتنظيم أنفسهم في جماعات وخلايا تدعو للكفاح المسلح ضد إسرائيل. ومع حلول عام 1968، باتت الفصائل الفدائية تسيطر على منظمة التحرير وتحوّلها من مجرد أداة تابعة للأنظمة العربية إلى صانع قرار مستقل وذي قوة تعبوية ثورية.

في شباط/ فبراير 1958، شكلت مصر وسوريا معاً "الجمهورية العربية المتحدة". وتولّد شعور لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن الوقت حان كي ينظّم الشعب الفلسطيني صفوفه ويستعد لمعركة "التحرير" بالاستناد إلى جدار دولة الوحدة، كما تصاعد بعض الأصوات الداعية إلى ضم فلسطين إلى الجمهورية العربية المتحدة.

ووجد الرئيس المصري ورئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر، نفسه أمام تحدٍّ كبير، فلم يكن في مقدوره من حيث المبدأ، رفض فكرة ضمّ فلسطين إلى دولة الوحدة، لكنه كان يشعر في الوقت ذاته بأن هذه الدولة غير قادرة وحدها، بمعزل عن الدول العربية الأخرى وعن الفلسطينيين أنفسهم، على حمل أعباء معركة التحرير، فطرحت حكومته على مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في القاهرة في آذار/ مارس 1959، اقتراحاً يدعو إلى "إعادة تنظيم الشعب الفلسطيني وإبراز كيانه شعباً موحداً يُسمِع صوته في المجال القومي (العربي) وعلى الصعيد الدولي بواسطة ممثلين يختارهم". ووافق المجلس على هذه الدعوة لإنشاء الكيان الفلسطيني.

وفي خريف سنة 1959، وفي خضم الصراع على النفوذ مع الرئيس عبد الناصر، طرح الرئيس العراقي الجنرال عبد الكريم قاسم فكرة قيام "جمهورية فلسطينية" تبسط سيادتها في مرحلة أولى على الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم توسّع هذه السيادة لتشمل المناطق الفلسطينية التي احتلت سنة 1948، وأعلنت حكومته بالفعل في آذار 1960، تشكيل فوج التحرير الفلسطيني. وبينما كان السجال الرسمي العربي يحتد حول مسألة الكيان الفلسطيني، كان الوعي الفلسطيني يتعاظم في ساحات اللجوء وفي قطاع غزة، بضرورة اعتماد الفلسطينيين على أنفسهم في معركة التحرير، وهو ما تجلّى في تشكيل عدد من التنظيمات الفدائية السرية، كان من أهمها حركة "فتح".

في السنة ذاتها، كُشف النقاب عن أن إسرائيل تعمل على تحويل مجرى مياه نهر الأردن وتسعى لتأمين هجرة حوالى ثلاثة ملايين يهودي جديد إليها. وفي نهاية سنة 1963، شرعت إسرائيل بالفعل في تحويل مجرى مياه نهر الأردن، ما أدّى إلى تزايد حدة التوتر بين العرب والإسرائيليين وتأجيج حدة الخلاف حتى بين المحاور العربية المختلفة. ففي مواجهة سوريا التي طرحت فكرة التصدي بالقوة لإسرائيل، اتّخذ الرئيس عبد الناصر موقفاً حذراً، لقناعته بأن مصر غير مستعدة لدخول حرب مع إسرائيل تكون "مغامرة". وفي 23 كانون الأول/ ديسمبر 1963، دعا عبد الناصر ملوك الدول العربية وأمراءها ورؤساءها إلى القاهرة لبحث الموقف الذي يتوجب تبنيه لمواجهة المشروع الإسرائيلي، فعُقدت بين 13 و16 كانون الثاني/ يناير 1964 قمة عربية أولى في القاهرة، أدان المجتمعون فيها قيام إسرائيل "بعدوان خطير جديد على المياه العربية بتحويل مجرى نهر الأردن"، واتخذوا "القرارات العملية اللازمة لاتقاء الخطر الصهيوني الماثل، سواء في الميدان الدفاعي أو في الميدان الفني أو ميدان تنظيم الشعب الفلسطيني وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره"، وأوكلت القمة إلى أحمد الشقيري، ممثل فلسطين لدى مجلس جامعة الدول العربية، مهمة الاتصال "بالدول الأعضاء والشعب الفلسطيني، بغية الوصول إلى إقامة القواعد السليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني"، ولكن من دون الإشارة صراحة إلى إنشاء الكيان الفلسطيني.

ويبدو أن الشقيري تجاوز الصلاحيات التي أعطته إياها القمة، عندما عقد في القدس في 28 أيار/ مايو 1964، المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي ينبثق عنه الكيان الفلسطيني، برعاية الملك حسين ومشاركة قرابة 400 مندوب معيّن تمّ اختيار معظمهم من لجنة تحضيرية شكّلها الشقيري بنفسه. كما شارك في المؤتمر بصفة شخصية، عدد قليل من أعضاء المنظمات الفلسطينية، مثل حركة "فتح" و حزب البعث وحركة القوميين العرب. وكان الشقيري وافق عشية انعقاد المؤتمر على شرطين تقدمت بهما الحكومة الأردنية، وهما أن يصرف المؤتمر النظر عن كل ما له صلة بتنظيم شؤون الفلسطينيين في المملكة الأردنية الهاشمية أو تسليحهم، وأن ينص صراحة في مقرراته على أن الكيان الفلسطيني ليست له أهداف "سيادية" في الضفة الغربية لنهر الأردن.

في 2 حزيران/ يونيو 1964، أعلن المؤتمر الوطني الفلسطيني قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وأقر "ميثاقها القومي" و"نظامها الأساسي"، وانتخب أحمد الشقيري رئيساً لها وكلَّفه باختيار أعضاء لجنتها التنفيذية وعددهم 12 عضواً.

حدد "الميثاق القومي الفلسطيني" المبادئ الأساسية التي تقوم عليها منظمة التحرير، على قاعدة الترابط العضوي بين البعدين الوطني والقومي في النضال من أجل تحرير فلسطين، إذ أكد أن فلسطين "وطن عربي تجمعه روابط القومية العربية بسائر الأقطار العربية"، وهي بحدودها، التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني، "وحدة إقليمية لا تتجزأ"، وأن الوحدة العربية وتحرير فلسطين "هدفان متكاملان يهيئ الواحد منهما تحقيق الآخر". وبعد أن اعتَبر الميثاقُ باطلاً كلاًّ من وعد بلفور وصك الانتداب وتقسيم فلسطين وقيام إسرائيل، ورأى في الصهيونية "حركة استعمارية في نشوئها، عدوانية وتوسعية في أهدافها، عنصرية تعصبية في تكوينها"، دعا "إلى إعادة الأوضاع الشرعية إلى فلسطين" و "تمكين أهلها من ممارسة السيادة الوطنية والحرية القومية"، مع تأكيده على أن منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها " تمثّل حركة الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل تحرير وطنه"، لن تمارس "أي سيادة إقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية ولا قطاع غزة ولا منطقة الحمّة [التابعة لسوريا في وادي الأردن الشمالي منذ سنة 1948]".

كانت مواقف القوى الفلسطينية المنظَّمة، سلبيةً عموماً تجاه النتائج التي تمخض عنها المؤتمر الوطني الفلسطيني، فقد انتقد ممثلوها "الأسلوبَ الفوقي البعيد من الجماهير ومن الديمقراطية" الذي اتُّبع في تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، وخضوعَ رئيسها لضغوطات الحكومات العربية ورفضه الإقرار بالسيادة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية. بيد أن منظمة التحرير الفلسطينية نجحت، على رغم المعارضة السورية والسعودية لقيامها، في الحصول على اعتراف مؤتمر القمة العربي الثاني الذي عُقد في الإسكندرية في 10 أيلول/ سبتمبر 1964. ولعل اعتراف الأنظمة العربية ذاك، وعلى رأسها النظام المصري، كان يهدف إلى سحب البساط من تحت أرجل التنظيمات الفدائية الفلسطينية المستقلة، وتأطير الفلسطينيين في إطار جامع خاضع للنظام الرسمي العربي، وهو ما دفع حركة "فتح" بالذات إلى الإسراع في تدشين حضورها على أرض الواقع من خلال قيام جناحها العسكري العاصفة بتنفيذ أولى عملياته العسكرية في مطلع كانون الثاني 1965.

كانت لهزيمة العرب في حرب عام 1967 نتائج مباشرة على الصعيد الفلسطيني، تمثّلت في سقوط الرهان نهائياً على دور الجيوش النظامية العربية وتأكُّد فشل النهج "الفوقي" الذي انتهجته منظمة التحرير الفلسطينية، وتحرُّر العمل الوطني الفلسطيني من قيود "الوصاية" الرسمية العربية، واضطرار أحمد الشقيري إلى تقديم استقالته من رئاسة منظمة التحرير. وهكذا، انتشرت ظاهرة العمل الفدائي على نطاق واسع، وتشكّلت تنظيمات فلسطينية جديدة. وقد أدت المقاومة الشرسة التي أبداها الفدائيون الفلسطينيون والخسائر الفادحة نسبياً التي تكبدها الجيش الإسرائيلي في معركة الكرامة في آذار 1968، إلى حدوث اندفاعة هائلة في حركة التحرر الفلسطينية، مع انضمام آلاف المتطوعين الفلسطينيين والعرب إلى صفوف المقاومة وانتقال قيادة منظمة التحرير إلى أيدي المنظمات الفدائية، ولا سيما الأقوى نفوذاً بينها، حركة "فتح".

وهذا ما تحقق بالفعل في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في القاهرة بين 10 و17 تموز/ يوليو 1968، وأقرّت الميثاق الوطني الفلسطيني الذي كرّس أفكار الوطنية القُطْرية الفلسطينية (عوضاً عن الأفكار القومية). وفي الدورة الخامسة للمجلس، التي انعقدت في القاهرة مطلع شباط 1969، تكرّس هذا التوجه بانتخاب ياسر عرفات رئيساً لـ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو المنصب الذي شغله حتى وفاته في سنة 2004.   

م. ش.

 

قراءات مختارة

براند، لوري. "الفلسطينيون في العالم العربي: بناء المؤسسات والبحث عن الدولة". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1991.

حوراني، فيصل. "الفكر السياسي الفلسطيني 1964-1974. دراسة للمواثيق الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية". بيروت: مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، 1980.

عبد الرحمن، أسعد. "منظمة التحرير الفلسطينية: جذورها، تأسيسها، مساراتها". نيقوسيا: مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، 1987.

الشريف، ماهر. "البحث عن كيان. دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908- 1993". نيقوسيا: مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1995.

الشعيبي، عيسى. "الكيانية الفلسطينية: الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي 1947-1977". بيروت: مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، 1979.