ضوء على

حرب سنة 1956

ضوء على
حرب سنة 1956
الفشل السياسي للعدوان الثلاثي

عرض جدول الأحداث

في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 1956، شنّت القوات الإسرائيلية والفرنسية والبريطانية حرباً مشتركة على مصر. وعلى الرغم من تحقيق هذه القوات نجاحات عسكريّة سريعة بدايةً، إلا أن الضغوطات الدولية التي مارستها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قيّدت حريتها في التحرك إلى حد كبير. واتضح نتيجةَ هذه الحرب، التي عُرفت في ما بعد بـ"العدوان الثلاثي"، تضاؤل قوة بريطانيا الإمبريالية، وتعزز الحضور الأميركي في المنطقة، وبروز القاهرة مركزاً رمزياً للمقاومة العربية، وتحالف إسرائيل الطبيعي مع الدول الاستعمارية، والعزم المستمرّ للفلسطينيين على مقاومة عملية طردهم.

وعلى رغم "السحق" العسكري والاجتماعي الذي واجه الفلسطينيين في حرب عام 1948، فإنهم رفضوا الاستسلام والخنوع لواقع ما بعد الحرب، وعاد عدد ممن رُحِّلوا أو أجبروا على مغادرة منازلهم خلال الحرب، إلى أراضيهم وأفراد عائلاتهم في فلسطين. وعلى رغم غياب التنسيق والدعم المؤسسي العربي، والمحاولات الإسرائيلية -القاتلة في أغلب الأحيان- لوقف جهود العودة هذه أو عكسها، عاد هؤلاء وزادوا نسبة سكان فلسطينيي 1948 بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمئة تقريباً بحلول أوائل الخمسينيات.

وفي شأن متصل، عندما شنّت إسرائيل الحرب التي أطلق عليها ديفيد بن غوريون "حرب التسلّل"، ضد عمليات تسلل الفلسطينيين لضرب الإسرائيليين على طول الحدود، نظم الفلسطينيون مقاومتهم في مجموعات شبه عسكرية عُرفت بالفدائيين، وتمركزوا حول الحدود الإسرائيلية مع الهدف الجوهري المتمثّل باستعادة حقوقهم داخل وطنهم.

وتزايدت وحشية العمليات الانتقامية الإسرائيلية. ففي نهاية آب/ أغسطس 1953، هاجمت وحدة إسرائيلية بقيادة أريئيل شارونمخيم البريج للاجئين في قطاع غزة وقتلت 50 فلسطينياً على الأقل. وفي منتصف تشرين الأول 1953 دهمت قوة إسرائيلية بقيادة شارون أيضاً بلدة قبية في الضفة الغربية وارتكبت مجزرة أسفرت عن مقتل 69 من الرجال والنساء والأطفال. وفي نهاية آذار/ مارس 1954، شنت القوات الإسرائيلية هجوماً على قرية نحالين في الضفة الغربية فدمّرت سبعة منازل وجامع القرية، وتسببت بمقتل خمسة من الحرس الوطني الفلسطيني وثلاثة من أعضاء الفيلق العربي في شرق الأردن وامرأة فلسطينية. أما خلال السنتين 1955 و1956، فأطلقت إسرائيل عدداً من الهجمات واسعة النطاق على قطاع غزة، أودت أولاها، وكانت في 28 شباط/ فبراير 1955، بحياة ثمانية وثلاثين شخصاً. ومع ذلك، واصل الفلسطينيون الفدائيون مقاومتهم، وأشرفت الحكومة المصرية في سنة 1955 على تدريب الفدائيين العاملين انطلاقاً من غزة وشرق سيناء.

دفعت الرغبةُ في معاقبة الفدائيين، إسرائيلَ إلى البدء بالتخطيط لهجوم على مصر، فإذعان مصر التي تشكل النقطة الأساس في الصراع، سيؤدي إلى استسلام إقليمي أوسع، ووجدت حليفاً في فرنسا، التي سعت بقوة إلى توطيد علاقتها بإسرائيل عقب اندلاع حرب تحريرٍ مناهِضة استعمارَها الجزائر في سنة 1954، كما وجدت حليفاً في بريطانيا، إثر اهتزاز هيمنتها طويلة الأمد على مصر مع تسلم جمال عبد الناصر السلطة في سنة 1952.

وكانت قناة السويس، التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر فـ المحيط الهندي، سبباً محورياً للحرب، فالمواجهة المصرية- البريطانية بشأن القناة ووجود القاعدة العسكرية البريطانية الضخمة هناك، كانت سبقت وعجّلت حركة الضباط الأحرار في سنة 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، الذي اتبع عقب الإطاحة بالحكم الملكي سياسة معادية لبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، من خلال رفضه الانضمام إلى حلف بغداد المعادي للاتحاد السوفييتي، وشرائه الأسلحة من الكتلة الشرقية، ودعمه الثوار المكافحين ضد الاستعمار في الجزائر، ومحاولته بشكل عام المناورة بين أطراف الحرب الباردة لتأمين مصالح بلاده. وفي 26 تموز/ يوليو 1956، أعلن عبد الناصر تأميم مصر قناة السويس وأغلق القناة أمام الملاحة الإسرائيلية.

بدأت فرنسا وإسرائيل إثر إغلاق قناة السويس، التخطيط للحرب ضد مصر بشكل مستقل، ومع حلول نهاية أيلول/ سبتمبر، بدأتا وضع خطط المعركة.

وكان لدى فرنسا وإسرائيل أمل في انضمام بريطانيا إليهما، إلى أن اتُّفق على هذا الانضمام في اجتماع سريّ عقد بين 22 و24 تشرين الأول في سيفر- فرنسا، وُضعت بعده الخطط السياسية والعسكرية المشتركة بين الدول الثلاث للإطاحة بنظام عبد الناصر. وقضت الخطة المشتركة أن تغزو إسرائيل سيناء أولاً، فتتدخّل بريطانيا وفرنسا بعد ذلك تحت حجة وضع حد للأعمال العدائية، لفرض انسحاب الطرفين –مصر وإسرائيل- من منطقة القناة.

في 29 تشرين الأول دخل بروتوكول سيفر حيّز التنفيذ: احتلت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء حتى قناة السويس، وقامت بريطانيا وفرنسا بقصف القاهرة وإنزال الجنود عند الطرف الشمالي للقناة.

وعلى الفور، مارس الرئيس الأميركي دوايت د. أيزنهاور ضغوطاً ديبلوماسية كبيرة، عبر الأمم المتحدة وخارجها، لوقف الصراع، وأرسل رئيس الوزراء السوفيتي، نيكولاي بولجانين، "رسائل إنذار"، في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر، إلى الحكومتين البريطانية والفرنسية وإلى الحكومة الإسرائيلية، فأعلنت الحكومة البريطانية وقف إطلاق النار في 6 تشرين الثاني. وبحلول نهاية كانون الأول/ ديسمبر انسحبت القوات البريطانية والفرنسية وحلت محلها وحدات من قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة (UNEF). أما الحكومة الإسرائيلية، فقد قاومت في بداية الأمر الانسحاب من سيناء وغزة، وكان المسؤولون الإسرائيليون يأملون بضمهما، إلّا أن الإصرار الدولي أدى في نهاية المطاف إلى انسحابها منهما في آذار 1957.

كانت إسرائيل ترفق عملياتها العسكرية بمجازر في حق المدنيين الفلسطينيين حتى في داخل إسرائيل نفسها، ففي 29 تشرين الأول 1956، وفي محاولة لاستباق أي تدخل من مقاتلين (فلسطينيين أو أردنيين) من الضفة الغربية، فرضت إسرائيل حظر تجوّل يبدأ عند الخامسة بعد الظهر على سبع قرى، من ضمنها قرية كفر قاسم في منطقة المثلّث الحدودية. ونتيجة لعدم تلقي القرويين، من سكان هذه القرية، أي إشعار بموعد الحظر إلا بعد وصولهم أعمالهم، عاد العديد منهم عند تبلغهم الأمر إلى القرية بعد بدء حظر التجول، فأطلقت شرطة الحدود الإسرائيلية النار عليهم وقتلت 48 فلسطينياً، كان فيهم 6 نساء و23 طفلاً. في 3 تشرين الثاني، وبحجة الحرب، قتلت القوات الإسرائيلية 275 فلسطينياً في بلدة خان يونس في قطاع غزة، وبعد انتهاء الاقتتال، قامت إسرائيل بقتل 110 فلسطينيين آخرين في رفح، على الحدود بين غزة ومصر، وخلال انسحابها من سيناء، دمّر الجيش الإسرائيلي البنية التحتية في المناطق التي احتلّها.

وعلى الرغم من انتصارهم العسكري الأولي، عانى الحلفاء الثلاثة ضد مصر هزيمة ديبلوماسية جسيمة مع نهاية الحرب، فقد مهّد النظام الاستعماري الذي مثّلته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، الطريق إلى حرب باردة جديدة يقوم كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي فيها بتشكيل العلاقات الدولية. ومن مؤشرات هذا التحول إعلان الرئيس الأميركي، في خطاب ألقاه أمام الكونغرس في 5 كانون الثاني/يناير 1957، ما عُرف باسم "مبدأ ايزنهاور"، الذي ركّز على مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط في مواجهة الاتحاد السوفيتي.

وبرزت مصر بقيادة عبد الناصر قائدةً بارزة في حركة عدم الانحياز على الصعيد الدولي، وقدوةً للمقاومة الوطنية العربية ضد إسرائيل على الصعيد الإقليمي، ما قوّى اعتقاد كثير من الفلسطينيين بأن الدول العربية ستقودهم إلى التحرير، لكنهم في الوقت ذاته بدأوا ينظمون نضالهم الفدائي ضد الحرب الإسرائيلية المستمرة على الشعب الفلسطيني، فكان التأسيس غير الرسمي لحركة "فتح" -التي سوف تصبح أبرز جماعة فلسطينية مسلحة بلا منازع- عام 1957، عقب حرب سنة 1956 مباشرةً.

أ. و.

 

قراءات مختارة:

حسين، طه. "العدوان الثلاثي على مصر". القاهرة: دار المعارف، 1956.

الريس، رياض نجيب. "الحرب المنسية: السويس 1956". بيروت: رياض الريس للكتب والنشر, 2006.

منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الإعلام والثقافة. "مجزرة قطاع غزة من 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1956 - 8 مارس (آذار) 1957". دمشق: منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الإعلام والثقافة، 1983.

هيكل، محمد حسنين. "قصة السويس: آخر المعارك في عصر العمالقة". بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1977.

Shlaim, Avi. “The Protocol of Sèvres, 1956: Anatomy of a War Plot.” International Affairs 73, no.3 (Jul. 1997).