ضوء على

الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936 - 1939

ضوء على
الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936 - 1939
انتفاضة شعبية تواجه قمعاً وحشياً

عرض جدول الأحداث

في سنة 1936 تفجّر الاستياء الفلسطيني الواسع النطاق من الحكم البريطاني، تمرّداً علنياً وصل حدّ الثورة. ويمكن إرجاع الأسباب التي مهّدت الطريق لهذه الانتفاضة، إلى الديناميات والأحداث التالية: أولاً، كانت فترة الثلاثينات في فلسطين -كما في غيرها من البلدان- فترة اضطراب اقتصادي شديد، وفيها أصاب الفلسطينيين في الريف ضرر كبير نتيجة عمليات نزع ملكيتهم وتراكم الديون عليهم، جرّاء السياسات البريطانية في تشجيع الجهود الصهيونية لشراء الأراضي بالإكراه. وملأت الهجرة من الريف إلى الحضر حيفا ويافا بالفلسطينيين الفقراء الباحثين عن عمل، فبرزت أشكال جديدة من التنظيمات السياسية التي ركّزت على الشباب والدين والطبقة والأيديولوجية بدل البنى القديمة القائمة على النخبة. في تلك الأثناء، أدى تزايد المعاداة للسامية في أوروبا، وخصوصاً المدعومة من الدول، إلى زيادة هجرة اليهود إلى فلسطين، القانونية منها وغير القانونية.

ولم يكن أمراً مفاجئاً والحالة هذه، أن ينتج عن تلك التطورات والأحداث اضطرابات دورية، ابتداءً بـ انتفاضة البراق في سنة 1929 إلى انتشار التظاهرات في العديد من مدن فلسطين ضد الانتداب البريطاني في سنة 1933. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1935، تم اكتشاف كمية من الأسلحة شُحنت لحساب الهاغاناه في ميناء يافا، ما أجّج المخاوف الفلسطينية من إدخال الحركة الصهيونية موارد عسكرية لمشروع بناء دولتهم تحت أنظار البريطانيين.

في غضون ذلك، قُتل في تبادل لإطلاق النار مع القوات البريطانية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1935، الشيخ السوري الشعبي عز الدين القسّام، الذي كان يعظ العمال الآتين من الريف وقاطني الأحياء الفقيرة قرب أحواض السكك الحديدية في حيفا وبنى أوائل الثلاثينات شبكة خلايا شبه عسكرية، فاستقطبت جنازته في حيفا حشداً جماهيرياً كبيراً.

مهّدت الأحداث التي مرّ ذكرها الأرضية بشكل مباشر للانتفاضة الفلسطينية الجماهيرية في سنة 1936، التي عُرفت بـ"الثورة الفلسطينيّة الكبرى" واستمرت ثلاثة أعوام كاملة، ويمكن تقسيمها عموماً إلى ثلاث مراحل: استمرت المرحلة الأولى من ربيع 1936 وحتى تموز/ يوليو 1937، وهي مرحلة اشتعال الثورة بعد تأجج التوترات في فلسطين وتراكمها منذ خريف 1935، ففي منتصف نيسان/ أبريل 1936، هاجم أتباع القسّام قافلة من الشاحنات بين نابلس وطولكرم، فقُتل سائقان يهوديان، لتقوم منظمة الإرغون في اليوم التالي بقتل عاملَين فلسطينيين بالقرب من بتاح تكفا، ليعقب ذلك في الأيام التالية اضطرابات دامية في تل أبيب ويافا. إثر ذلك، شُكّلت في نابلس لجنة وطنية في 19 نيسان اتُّفق فيها على إعلان الإضراب، كما شُكلت لجان وطنية في مدن أخرى دعت بدورها إلى الإضراب. وفي 25 نيسان تم تشكيل اللجنة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني لتنسيق ودعم إضراب وطني عام انطلق في 8 أيار/ مايو.

جرى الالتزام بالإضراب على نطاق واسع، الأمر الذي شلّ النشاط التجاري والاقتصادي في المجتمع الفلسطيني. وفي تلك الأثناء، كان الفلسطينيون في أنحاء الريف كافة، يشكّلون مجموعات مسلحة لمهاجمة أهداف بريطانية وصهيونية. كان عملهم في البداية عفوياً ومتقطّعاً، ثم انتظم بعد ذلك بشكل متزايد، فتم ضمّ بعض المتطوعين العرب من خارج فلسطين إلى العمل المسلح، ولكن بأعداد بقيت قليلة.

استخدم البريطانيون أساليب وتكتيكات مختلفة لوقف الإضرابات وقمع العصيان المسلّح في المناطق الريفية، وزادوا أعداد رجال الشرطة البريطانيين واليهود، وتعرّض الفلسطينيون لتفتيش المنازل والمداهمات الليلية والضرب والسجن والتعذيب والترحيل، ووصل القمع البريطاني إلى حد هدم أحياء واسعة في مدينة يافا القديمة. وتزامنت العمليات العسكرية والتدابير القمعية البريطانية، مع إرسال الحكومة البريطانية لجنة تحقيق برئاسة اللورد بيل للتحقيق في الأسباب الجذرية للتمرد.

في 11 تشرين الأول 1936، وتحت وطأة ضغوط السياسات القمعية البريطانية، وضغوط بعض الملوك والأمراء العرب، والعواقب الاقتصادية للإضراب الممتد ستة أشهر على السكان الفلسطينيين، قامت اللجنة العربية العليا بوقف الإضراب ووافقت على التعاون مع لجنة بيل، فانخفضت موقتاً التوترات أثناء قيام لجنة بيل بعملها، انتظاراً لإصدارها نتائج تحقيقها، الذي صدر في تموز 1937 بنتائج مخيِّبة للفلسطينيين، حيث أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين دولتين، يهودية وعربية، فأعاد الشعب الفلسطيني أمام الرفض المتمادي لمطالبه، إطلاق التمرد المسلّح مجدّداً وبشدّة هذه المرة، فبدأت المرحلة الثانية من الثورة الفلسطينية.

سجّلت المرحلة الثانية من النضال الفلسطيني (من تموز 1937 حتى خريف 1938) مكاسب كبيرة، فوقعت مساحات شاسعة من الأراضي الجبلية تحت سيطرة الفلسطينيين، بما في ذلك البلدة القديمة في القدس لفترة من الزمن، فاستبدلوا فيها مؤسسات الانتداب البريطاني، مثل المحاكم وخدمة البريد وغيرها، بمؤسسات وطنية، فما كان من البريطانيين إلا أن اتخذوا تدابير أشد قسوة في محاولة لسحق الثورة، فأعلنت سلطة الانتداب لا شرعية اللجنة العربية العليا والأحزاب السياسية الفلسطينية كافة، وألقت القبض على القادة السياسيين والأهليين، ونفت عدداً من الشخصيات العامة رفيعة المستوى، كما لجأت إلى تصعيد الوسائل العسكرية لمكافحة التمرد، فنشرت الدبابات والطائرات والمدفعية الثقيلة في جميع أنحاء فلسطين، وطبّقت العقاب الجماعي في حق الفلسطينيين، فزجّت بآلاف منهم في "معسكرات الاعتقال"، كما تم تدمير أحياء سكنية وإغلاق مدارس وتغريم قرى بشكل جماعي، وإجبارها على إيواء الشرطة والقوات البريطانية... وأمام هول ما كان يحدث للشعب الفلسطيني، استفادت المؤسسات العسكرية الصهيونية من الوضع لبناء قدراتها بدعم بريطاني، وبحلول أوائل سنة 1939 حصل 14 ألف رجل من "شرطة المستعمرات اليهودية" على الدعم والزي الرسمي والسلاح من الحكومة البريطانية، وكانت منظمة الهاغاناه الإرهابية الصهيونية تعمل خلف واجهتهم، إضافة إلى ما يسمّى الوحدات الليلية الخاصة المشكَّلة من يهود وبريطانيين التي كانت تقوم بـ"عمليات خاصة" ضد القرى الفلسطينية.

أما المرحلة الثالثة من الثورة، فاستمرت تقريباً من خريف 1938 حتى صيف 1939. خلال هذه المرحلة، أوفد البريطانيون لجنة أخرى للتحقق بقيادة السير جون وودهيد، وذلك لدراسة الجوانب الفنية لتنفيذ التقسيم. في شهر تشرين الثاني 1938، خلص تقرير لجنة وودهيد إلى أن التقسيم ليس عملياً، ما جعل البريطانيين يتراجعون بعض الشيء عن توصية بيل، إلا أنهم أطلقوا في الوقت ذاته هجوماً شاملاً على الفلسطينيين، الذين شهد سنة 1939 قتل المزيد منهم وإعدام المزيد شنقاً واعتقال ما يقارب ضعفي عدد معتقلي سنة 1938. وقد فرضت هذه الوحشية ضغوطاً هائلة على الثوار الفلسطينيين، ما أدى إلى تفاقم الخلافات بين قادة اللجنة العربية العليا السياسيين المنفيين إلى دمشق وبين القيادة المحلية، كما بين مجموعات الثوار وسكان القرى اللذين كان من المتوقع أن يدعموهم، ووقع الخلاف بشكل أساسي بين الفلسطينيين المستعدين للتوصل إلى تسوية مع البريطانيين وأولئك الملتزمين بالثورة، حيث تم تشكيل ما سمّي "فرق السلام" الفلسطينية بدعم بريطاني لمحاربة أنصار الثورة.

وفي أيار 1939، نشرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض الجديد الذي جاء فيه: الوفاء بالتزامات بريطانيا تجاه فكرة الوطن القومي اليهودي، واستمرار السماح بهجرة يهودية تقدّر بـ 75 ألف يهودي جديد إلى فلسطين خلال الأعوام الخمسة المقبلة، واستحواذ اليهود على الأراضي فيها (وهما بندان يتعارضان مع التزامات بريطانيا تجاه الفلسطينيين)، وبعد انقضاء السنوات الخمس تصبح الهجرة اليهودية خاضعة لـ "الموافقة العربية" ويسمح بنقل ملكية الأراضي في مناطق معينة فقط فيما تكون العملية مقيدة ومحظورة في مناطق أخرى، وذلك لمنع حرمان الفلسطينيين من الأراضي، ويتم إنشاء دولة موحدة مستقلة بعد عشر سنوات، مشروطة بعلاقات فلسطينية يهودية مواتية.

في أواخر صيف 1939، أوصلت الجهود البريطانية العسكرية والدبلوماسية المشتركة، الثورة إلى نهايتها، وخلال السنوات الثلاث للثورة قُتل حوالى 5 آلاف فلسطيني وجُرح ما يقارب 15 ألف منهم، إضافة إلى نفي القيادات الفلسطينية واغتيالها وسجنها وتأليب بعضها ضد بعض.

ومهما كانت التنازلات التي قدمها الكتاب الأبيض لمصلحة مطالب الثوار، ومهما كانت المكاسب التي حققها الفلسطينيون خلال الثورة، سرعان ما تجاوزت العمليات الجيوسياسية الكبرى لـ الحرب العالمية الثانية جميع هذه المكاسب، في حين ترك الهجوم البريطاني- الصهيوني على الحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية خلال الثورة، إرثاً ثقيلاً وطويل الأمد.

أ. و.

 

قراءات مختارة:

زعيتر، أكرم. "يوميات أكرم زعيتر: الحركة الوطنية الفلسطينية، 1935-1939". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992.

كنفاني، غسان. "ثورة 36-1939 في فلسطين : خلفيات وتفاصيل وتحليل". "شؤون فلسطينية"، العدد 6، كانون الثاني/ يناير 1972.

موسى، شحادة. "ثورة عام 1936 في فلسطين- دراسة سوسيولوجية". بيروت: مركز باحث للدراسات، 2004.

ياسين، صبحي. "الثورة العربية الكبرى في فلسطين، 1936-1939". القاهرة: دار الكاتب العربي، 1967.

Hughes, Matthew. “From Law and Order to Pacification: Britain’s Suppression of the 1936–1939 Arab Revolt in Palestine.Journal of Palestine Studies 39, no.2 (Winter 2010), pp. 6–22.